مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

العقـاد ضد طه حسين.. علل التعارف بين الشعوب

هل ينشأ التعارف والتأثير المتبادل بين الأمم والحضارات والطبقات عن العداء والتغالب؟ أم عن الحب والعطف؟ أم أن مصدره آتٍ من الطبيعة الإنسانية نفسها؟
وهل التأثير أحادي الاتجاه دوماً من الأقوى إلى الأضعف؟ أم أنه تفاعليّ متغير الاتجاه؟
للعلامة ابن خلدون رأي معروف جرى مجرى القاعدة أن «المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده»، والسّبب في ذلك، كما يقول، هو «أنّ النّفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه».
يُفهم من هذا أن الاقتداء أثر نفسي تلقائي للهزيمة، يعبّر عنه المغلوب طوعاً بلا إكراه اعتقاداً منه بكمال الغالب.
في سجال مع عباس محمود العقاد عام 1929م، يخالف طه حسين هذه القاعدة، مستعيناً على ذلك بأمثلة من التاريخ، بينما بدا العقاد أقرب إلى موافقتها، وكلاهما لم يذكرا صراحة القاعدة ولا صاحبها.
لم يكن هو الخلاف الوحيد بينهما حول العلاقة بالآخر (الغرب غالباً)، سواء علاقة العرب والمسلمين أو علاقة المصريين.
كان طه حسين أكثر انجذاباً للأخذ، دون حرج، من الحضارة المتفوقة، الغربية بطبيعة الحال، وتمصير (توطين) ما تم أخذه، (هذه أطروحته في «مستقبل الثقافة في مصر»، 1936م).
والعقاد، وإن لم يكن ضد الأخذ والتفاعل على وجه العموم، إلا أنه كان في موقفه أميل إلى التحفظ والحذر، فهو يمدح «الشعور بالتحرج أمام العادات الأجنبية»، على أن لا يتحول إلى ضرب من الجمود والخمول، (كما في كتابه «التفكير فريضة إسلامية»).
ويحرص العقاد في جُلّ كتبه على لفت الانتباه إلى مساهمة الحضارة العربية قديماً في نهضة الغرب الحديثة، والتأكيد على أن ما يُنقل اليوم من أوروبا والغرب ليس سوى دَينٌ مُستعاد.
وهذا موضوع كتابه «أثر العرب في الحضارة الأوروبية»، وفيه يقول إن الأصالة والنقل والإبداع هي سمات مشتركة بين جميع الحضارات.
بدأ السجال هذه المرة بمقالة للعقاد عن «التعارف بين الشعوب»، يفسّر فيها تطور حركة الترجمة المتبادلة بين الألمان والإنجليز وبين هؤلاء والفرنسيين، بعد الحرب العالمية الأولى.
ذهب العقاد إلى أن الترجمة تعبر عن رغبة كل أمة من تلك الأمم في سبر الأمة المنافسة واستطلاع أحوالها وأخلاقها وآرائها، فهي وسيلة من وسائل التعارف، لكنها تدل أيضاً على أن الحرب والتنافس يشكلان حافزاً قوياً من حوافز المعرفة بين الشعوب المتحاربة.
أما طه حسين فقد رأى غير ذلك، وقال إن العلة وراء كل ترجمة ونقل هي الطبيعة الإنسانية نفسها، ولا دور للتنافس والتغالب والحروب، ولا للحب والكره.
علّل العقاد حركة الترجمة التي شهدتها أوروبا بين الحربين بـ «المعهود في طبائع الناس»، «فأول ما يعنى به المرء أن يستطلع أحوال منافسه ومن يتطلب الغلبة عليه، والمغلوب في المنافسة أشد عناية بهذا وأصدق رغبة في اختبار أسباب القوة التي انتصرت عليه؛ ومن ثم كانت المترجمات الإنجليزية في العصر الحاضر أكثر من المترجمات الألمانية، وكانت الأمم التي تشك في حقيقة انتصارها تجري على حكم الأمم المهزومة في استطلاع أحوال المنافسين لها؛ لأنها لا تشعر بطمأنينة المنتصر ولا تزال في حالة القلق والحذر التي تخامر مهزوماً يعالج من نفسه موضع الهزيمة».
ثم يتساءل: «أهي المعرفة بنت العداوة، كما يبدو لنا من هذه الأمثلة التي يعززها المعهود من طبائع الناس؟
أم هي المعرفة بنت المحبة، كما جاء في المثل القديم، وتقرر في الآداب الرفيعة، ومحاسن الأخلاق المأثورة عن الوعاظ والمرشدين».
ويعرض الرأيين؛ ذاك الذي يقول إن الشعوب كالأفراد تتعارف أكثر إذا نشب بينها الاختلاف والعداء، وذاك الذي يقول العكس؛ إن التعارف وليد الاتفاق والمودة.
العقاد يوفق بين الرأيين ولا يعترف أن بينهما اختلافاً: «إنك بالعداوة تسبر قوة غيرك الجائرة التي تدور على الأثرة وحصر الخير في النفس دون المنافسين والمزاحمين.
وإنك بالمحبة تسبر قوة غيرك العاطفة التي تتسع وتعلو على قيود الأثرة والحصر، وتنظر إلى الأشياء من غير الناحية التي تدور عليها المنافسات والمخاصمات، وكلا المسبارين لازم ضروري لعرفان الإنسان بالإنسان، وحكم الحي على طبيعة الحياة».
وخلاصة رأيه أن «الترجمة تكثر بعد الحروب بين الأمم المتحاربة؛ وذلك لعناية كل أمة منها باستطلاع أحوال الأمم الأخرى، واستقصاء ما عندها من بواعث النصر والهزيمة».
وهو لا يثير مسألة واحدة، بل مسألتين:
الأولى التعارف والتواصل المتكافئ بين الشعوب.
والثانية هي أن المغلوب أكثر عناية بالتعرف على الغالب واستكشاف أسباب غلبته، والنتيجة -حتى لو لم يصرح بها- هي أن المغلوب يقلد الغالب، وينتحل صفاته وأخلاقه وثقافته.
أما طه حسين فقد رد قائلاً: «إن العلة الحقيقية الأولى لكل ترجمة ونقل، إنما هي الطبيعة الإنسانية التي تجعل الإنسان حيواناً اجتماعياً كما يقول أرسطو في السياسة، وحيواناً مفكراً كما يقول أرسطو في المنطق، فطبيعته الاجتماعية تضطره إلى أن يتصل بغيره من الأفراد والجماعات، ويشاركهم فيما يفكرون ويشعرون ويتحدثون، وطبيعته المفكرة تضطره إلى أن يبحث ويستقصي ويتعرف حقائق الأشياء».
وهكذا، فليس للعداء ولا للحب دور في الاتصال والتأثير والتأثر، وإنما العلة كامنة في الطبيعة الإنسانية.
ثم يستعين طه حسين بأمثلة من التاريخ لإبطال حتمية تقليد المغلوب للغالب: «من المحقق أن العرب انتصروا على الفرس وعلى اليونان البيزنطيين بعد ظهور الإسلام، كما انتصروا على أمم أخرى، فنقل العرب عن الفرس واليونان كل شيء، ولم ينقل الفرس واليونان عن العرب شيئاً».
والرومان أيضاً، كما يقول طه حسين، قد نقلوا «عن اليونان كل شيء ولم ينقل اليونان عن الرومان شيئاً، وكان الرومان غالبين وكان اليونان عبيداً لهم»، ويطلب من العقاد تفسيراً لهذا!
لكن العقاد لم يحر جواباً، فالفُرس المغلوبون أخذوا الدين عن العرب، واليونانيون المغلوبون -الذين صاروا فيما بعد بيزنطة- أخذوا من الرومان الغالبين الفنون والأساليب الحسية الفخمة في الحياة والعمارة وأخذوا منهم نظامهم وقوانينهم.
ومما جاء في رد العقاد أن «الرومان وجدوا فلسفة وأدباً مستفيضاً عند اليونان، فأخذوا ما وجدوه ولم يأخذوه إلا بعد أن نشبت بينهما نواشب التغالب والاحتكاك.
واليونان لم يجدوا عند الرومان إلا فنونهم التي امتازوا بها، وهي فنون الحرب والنظام والقوانين، وليست هذه الفنون من شأن الأمم المغلوبة؛ لأن مسألة الحكومة والجيش تظل في أيدي الغالبين لا ينزلون عنها لتلك الأمم مختارين.
على أن اليونان أخذوا من الرومان ترفهم وحضارتهم، ثم أخذوا منهم بعد ذلك نظامهم وقوانينهم، حين أصبح لهم نوع من الاستقلال في الدولة البيزنطية، أو حين أصبحت بيزنطة دولة اسمها للرومان وحقيقتها لليونان».
والقارئ في النهاية لا يدري لمن يقضي؟
هل لـ طه حسين أم للعقاد؟
صحيح أن التغالب يعمل كحافز إضافي للتعارف بين الأمم، وهو قول العقاد.
لكن لا نسلّم بقاعدة تقليد المغلوب للغالب دون تحفظ، ولا نرفضها دون تحفظ، فهي تصح حيناً وتخطئ حيناً، وفي هذا نقترب من وجهة نظر طه حسين.
والحقيقة أن العرب مثلاً تأثروا بالثقافة الفارسية بقدر تأثر الفرس بالثقافة العربية.
العقاد لم يكن بغافل عن التفاعل والتأثير المتبادل، فهو يعترف به في سجاله، عدا أنه يشدد على تفسيره بعلاقة التغالب والتنافس.
مطلع هذا القرن، استخدم محمد عابد الجابري عبارة «الفتح المضاد» لوصف العملية التي انتقلت بها الآداب والقيم الفارسية إلى المجال العربي، في العصر العباسي، وأدت كما يقال إلى تلوين الثقافة العربية الإسلامية، في كل المجالات، بلونها.
يقول الجابري: «وبما أن الدولة التي قامت الثورة (العباسية) ضدها كانت دولة الفاتحين العرب لأرض فارس، فإن الدولة الجديدة (العباسية) ستكون -أو يجب أن تكون- دولة الفاتحين الفُرس لدولة العرب. ومن هنا سيكتسي «الفتح المضاد» صورة فتح حضاري ثقافي»، (الجابري، العقل الأخلاقي العربي، ص195).
وعلى ما في أطروحة الجابري من مبالغة وتهويل، إلا أنها لا تخلو من الصحة في بعض الجوانب.
والتأثر بالآخر ليس نقيصة بحد ذاته.
وإذا كان العرب قد أخذوا عن الفرس أشياء، فإن الفرس أيضاً كانوا قد استعاروا بعض عاداتهم وأخلاقهم من اليونان والميديين والمصريين، ثم أخذوا من ثقافة وآداب العرب بعد الفتح -كما ذكرنا- بالقدر الذي أعطوا تقريباً.
ولننظر إلى ما كتبه المؤرخ هيردوت، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، فهو يقول أن أمة الفُرس «لا تُبارَى في محاكاتهم للتقاليد الأجنبية؛ فقد اقتبسوا زي ملابسهم عن الميديين؛ إذ وجدوه أرقى من زيهم، ويلبسون في الحرب درع الصدر المصرية، وما إن يسمعوا عن صنف من صنوف الترف حتى يُحاكوه، وعلى هذا فمن العادات الجديدة عليهم أنهم تعلموا الانغماس في الأمور الجنسية من الإغريق، فاقتنى كلٌّ منهم عدداً من الزوجات، وعدداً أكبر من المحظيات».
في القرن التاسع عشر، قدم رائد التنوير المصري رفاعة الطهطاوي في كتابه «مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية»، تأصيلاً نظرياً وأخلاقياً لنزعة الانفتاح والتفاعل مع الشعوب والحضارات الأجنبية، يخلص فيه إلى أن «أعظم وسائل تقدُّم الوطن في المنافع العمومية رخصة المعاملة مع أهالي الممالك الأجنبية واعتبارهم في الوطن كالأهلية».
النقل الحرفي الأعمى هو النقيصة، وكما كان يقول مونتيني «لكل قدم حذاؤه»، أو «لكل رجل حذاؤه»، (ميشيل دي مونتيني، المقالات الكاملة، الجزء الثالث، ص378).
الأمم، كالأفراد، تعطي وتأخذ، وتُقلِّد وتُبدِع، وتستعير ثم تُحوِّر.
وإذا كان تقليد الغالب يقع أحياناً، فإن «الفتح المضاد» يقع أيضاً، وحركة الأخذ ليست نتيجة محتومة للهزيمة، وإنما كثيراً ما تكون ثمرة تفاعل حيّ يثري الطرفين معاً.

ذو صلة