مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

نهايـة الفلسفـة وتطور الفكر الإنساني

«لماذا تبدو الفلسفة وكأنها ميتة؟ الفلسفة لا تشفي داء ولا تبتكر شيئاً جديداً! ما الهدف منها أصلاً؟»
(جون جاليون)

التفكير والفلسفة
ما يميز التفكير والفكر عن الفلسفة في تقديري، هو أن الفكر يتجدد أسرع من الفلسفة، ويتطور ويتغير بتغير الزمن والمتغيرات الاجتماعية والثقافية والتقنية والتي تساهم في رؤيتنا وقناعاتنا بالأشياء المتغيرة من حولنا.
الفلسفة تتعمق بالمفاهيم والسرديات الكبرى، وتتوقف عندها وتتأثر بها وتتجمد، وهذا ما يلاحظ، وشهد به مفكرون سوف نناقش آراءهم.
المفكرون الجدد بعد الفلسفة الوجودية في العالم ركزوا على التفكير والتحليل باللغة بوصفه قضية فكرية وأدبية متطورة، كما ركزوا على المؤثرات الرئيسة في الحياة وجزيئاتها المهمة كالتقنية والسلوك الاستهلاكي وسلوك الناس وفق المتغيرات الاجتماعية والثقافية والتقنية، وحتى السياسية التي تساهم في تحول المجتمعات مثل الثورات السياسية والاجتماعية والتقنية وثورة الاتصالات والإنترنت والرقمنة التي تؤثر على حياة الناس وسلوكهم واحتياجاتهم ودوافعهم وقيمهم وتغير ثقافتهم.
ولم يتوقف المفكرون الغربيون المعاصرون عند السرديات الكبرى والحقائق المطلقة، ولم يشغلوا أنفسهم بها، بل بادروا إلى تحليلها ونقدها على أنها سرديات عفّى عليها الدهر وشرب، مثل ليوتار وبارت وفوكو ودريدا وبادريار.. وغيرهم.
وهذا في رأيي بسبب تأثرهم بالعلوم اللغوية والأدبية والاجتماعية والنفسية والإنثربولوجية والجمالية والأخلاقية والمعرفية والاقتصادية والتكنولوجية والرقمنة والمعلوماتية (الإنسانيات والمعلومات)، والتي تداخلت لتكمل بعضها بعضاً، فهي حقل معرفي مترابط وفعال في الرؤية والنظرية والتفكير النقدي والإبداعي والتقني الجديد.
هذا إلى جانب رؤاهم المتعمقة في هذه الجزئيات المهمة في الحياة بصفتها تمثل فسيفساء إنسانية، وتم تطويرها بمنهجيات البحث الاجتماعي والعلمي المتقدم والملاحظات والتبصرات الإنسانية الذكية والمؤثرة والمتميزة، كل ذلك انعكس على الرؤى الفكرية الجديدة التي قادت إلى نتائج ونظريات فكرية مقدرة، فتحت آفاقاً جديدة لتداخل العلوم الاجتماعية مع العلوم العلمية والتقنية، وسوف تتطور هذه الرؤى والمفاهيم في المستقبل للكشف عن رؤى ومفاهيم ونظريات ومسميات جديدة.
نهاية الفلسفة والسرديات الكبرى
سبق وكتبت مقالاً بعنوان (موت الفلسفة وتحديات التفكير الجديد) في (ثقافة صحيفة الجزيرة، 30 سبتمبر 2022)، وقد عرضت فيه رأي عالم الفيزياء ستيفن هوكنج Stephen Hawking عن موت الفلسفة، والذي قال فيه: «الفلسفة ماتت، الفلسفة لم تلاحق تطورات العلم الحديثة، خصوصاً في مجال الفيزياء. فأضحى العلماء هم من يحملون مصابيح الاكتشافات في رحلتنا بحثاً عن المعرفة». ولي مقال آخر بعنوان (ثقافة ما بعد الحداثة والتنوير التقني) في (ثقافة جريدة الجزيرة 18 نوفمبر 2022)؛ تحدثت فيه عن تعريف المفكر الفرنسي ليوتار لما بعد الحداثة بأنها: «التشكيك في السرديات الكبرى»، ويعنى الفلسفة والأيديولوجيات. كما عرضت وجهات نظر مفكرين في الفلسفة مثل فردرك نيتشه Friedrich Nietzsche ومارتن هيدحر Martin Heidgger، حيث كان نيتشه «أول من هدم الميتافيزيقيا، ونقد فكر أفلاطون، وانتقد بعض ثوابت الفلسفة والميتافيزيقيا والحداثة ومفاهيمها».
وكان هيدجر نقد تاريخ الميتافيزيقيا عبر تفكيكها، ونقد العصور القديمة للفلسفة؛ ليكشف هو الآخر ما وراء بدايات التاريخ الأوروبي، ويدحض الأفكار التي طُرحت ابتداء من أفلاطون إلى هيجل، بوصفها بدائل تفكيرية عن الوجود (الكينونة).
وفي هذا المقال أعرض وجهات نظر مفكرين وأكاديميين معاصرين عن نهاية الفلسفة.
يرى المفكر جيمن لي Jimmin Lee 2023 في مقالته (الفلسفة ماتت ونحن قتلناها Philosophy is Dead and we Killed it)؛ أنه غالباً ما يُعزى تراجع الفلسفة إلى الانعدام الملحوظ لأهميتها في مجتمع نفعي، وعزلتها المتزايدة في الأوساط الأكاديمية، وصعود العلم المصدر الأساس للمعرفة.
ويروى المفكر (لي) حكايته مع نظرة الآخرين إلى الفلسفة، ويقول كثيراً ما يخبرني أصدقائي أن دراسة الفلسفة مضيعة للوقت. يسأله الناس: «لماذا لا تدرس شيئاً يفيدك في المستقبل، كدراسة الهندسة مثلاً؟».
ويرى أن كثيرين يجادلون بأن الفلسفة «لا جدوى لها في عالمنا المعاصر». ويعزو تراجع أهمية الفلسفة الاجتماعية والأكاديمية في القرن الحادي والعشرين إلى تراجع الفكر والعقلانية.
ويعتبر الأكاديميون الفلسفة بلا معنى، وتقوم الجامعات الكبرى بتقليص أو إلغاء أقسام الفلسفة فيها. فيرفض العالم الفلسفة الآن لأنها تتعارض بطبيعتها مع الرأسمالية، ويُثبط الفلاسفة عزيمة قرائهم بأساليب كتابية متعالية.
ويوضح المفكر (لي) أنه حتى قبل ظهور الرأسمالية، كانت الفلسفة مُعوَّقةً من قِبل الفلاسفة أنفسهم، فكثيراً ما يُقدم الفلاسفة على خيارات أسلوبية مُعقَّدة لا داعي لها، مُفضِّلين الإفراط في تعقيد عملهم ليبدو أكثر ذكاءً. هذا الغرور يجعل من الصعب -وأحياناً من المستحيل- على جمهورهم فهم أعمالهم.
أما المفكر الأمريكي دانيال كوفمان Daniiel Kaufman في مقاله (التدهور المذهل في أقسام الفلسفة الأمريكية The Startling Deterioration of American Philosophy Departments 2024)؛ فيعتقد إن تراجع الفلسفة في الأوساط الأكاديمية بدأ بالفعل. ويتحدث عن وضع الفلسفة في الولايات المتحدة مثالاً، مع اعتقاده: «لكن الوضع مشابه للفلسفة في جميع أنحاء العالم الناطق باللغة الإنجليزية».
وكشف كوفمان أنه «في جميع أنحاء الولايات المتحدة، تُدمج أقسام الفلسفة مع أقسام الدراسات الدينية والعلوم السياسية، ويُقلّص حجمها، أو يُخفّض تصنيفها، أو يُلغى كلياً. غالبية الطلاب، إن صادفوا الفلسفة أصلاً، يفعلون ذلك من خلال مقرر تمهيدي واحد، وهو جزء من تعليمهم العام الإلزامي».
كما يُستبدل أعضاء هيئة التدريس المتفرغون والمثبتون في الفلسفة بمدرسين إضافيين أو «محاضرين لكل مقرر بأجور زهيدة».
وهناك المفكر وعالم الاجتماع جون جاليون John Mac Ghlionn 2024 الذي وضح أنه في عام 2014، ووفقاً لتصنيف QS العالمي للجامعات؛ كانت الولايات المتحدة تضم ثمانية من أفضل أقسام الفلسفة الجامعية في العالم؛ وبعد عقد من الزمان، انخفض هذا العدد إلى النصف، ولم يبقَ سوى أربع مؤسسات أمريكية ضمن أفضل عشر جامعات. قد يبدو هذا للبعض غير ذي أهمية، (وماذا في ذلك؟)، وقد يقولون: (الفلسفة عديمة الفائدة تماماً، لا تخدم أي غرض عملي، خصوصاً في عصر الذكاء الاصطناعي).
ويرى المفكر جاليون أن الفلسفة للأسف دخلت مؤخراً في دوامة السخافة الأكاديمية، حيث تبتكر الأقسام الأكاديمية طرقاً أكثر فأكثر لإهدار أموال دافعي الضرائب -على سبيل المثال، من خلال نشر أبحاث حول ميتافيزيقيا التورية، أجل، لقد قرأت ذلك بشكل صحيح. وبينما تُهدّد التطورات الفلسفة يتساءل جاليون: «لماذا تبدو الفلسفة وكأنها ميتة؟ الفلسفة لا تشفي داءً ولا تبتكر شيئاً جديداً. ما الهدف منها أصلاً؟».
ويشخص المفكر الأمريكي جيمس جيلز James Guils في كتابه (نهاية الفلسفة The End of Philosophy 2000) الفلسفة بأنها ستصبح حتماً هامشية لمشروعنا الثقافي المستقبلي، كما هو الحال بالنسبة لعلم التنجيم، ومن السخافة، كما تفكر، التحدث عن الفلسفة وعلم التنجيم في نفس الوقت. لماذا أدت هذه التجربة الفكرية إلى مثل هذه التكهنات غير السارة والمستفزة؟
ويكتب مفكر آخر، ويقول متسائلاً: «ومع ذلك، يبدو أن البعض ينظر إلى الفلسفة اليوم على أنها ميتة أو غير ذات صلة. ورغم مواجهة معضلات أخلاقية معقدة -سواء في الأخبار أو في الحياة اليومية- إلا أن الكثيرين لم يعودوا يلجؤون إليها. ويبدو أن الخطاب الفلسفي، وبخاصة في القضايا الأخلاقية، قد أصبح أقل تأثيراً في تشكيل الفكر الحديث أو حل المشكلات الأخلاقية».
وسبق أن تساءل كل من المفكرين روبرت فرودمان Robort Frodman وآدم بريقل Adam Briggle في مقالهما المهم عام 2016 في صحيفة نيويورك تايمز، بعنوان (عندما فقدت الفلسفة طريقها )؛ بقولهما: ما هو دور الفلسفة؟ بعدما واجه فلاسفة القرن العشرين مأزقاً وجودياً، وذلك مع قيام العلوم الطبيعية والاجتماعية برسم خريطة مجمل القضايا النظري منها والمؤسسي.
ووضح الكاتبان بأن الفلسفة، إذن، كما وصفها المفكر الفرنسي برونو لاتور؛ (طُهِّرت)، وانفصلت عن المجتمع في عملية التحديث. حدث هذا التطهير استجابةً لحدثين على الأقل: الأول هو تطور العلوم الطبيعية، فهي مجال دراسة منفصل بوضوح عن الفلسفة، حوالي عام 1870، وظهور العلوم الاجتماعية في العقد الذي تلا ذلك. قبل ذلك، كان العلماء مرتاحين في اعتبار أنفسهم (فلاسفة طبيعيين) -فلاسفة درسوا الطبيعة، وكان أسلاف علماء الاجتماع يعتبرون أنفسهم (فلاسفة أخلاقيين).
كان الحدث الثاني هو وضع الفلسفة تخصصاً إضافياً إلى جانب هذه العلوم داخل جامعة البحث الحديثة. وكانت النتيجة أن الفلسفة، التي كانت في السابق ملكة التخصصات؛ قد أُزيحت، حيث قسمت العلوم الطبيعية والاجتماعية العالم بينها.
ويؤكد الكاتبان أنه «قبل تطور ثقافة البحث العلمي، كانت الصراعات بين الفلسفة والطب واللاهوت والقانون تتكون من معارك ضروس، بدلاً من صدامات عبر انقسامات ثقافية واسعة. في الواقع، كان يُعتقد على نطاق واسع أن هذه المجالات القديمة تترابط معاً في وحدة معرفية عظيمة، وحدة موجهة نحو هدف الحياة الجيدة. لكن هذه الوحدة تحطمت تحت وطأة التخصص المتزايد بحلول مطلع القرن العشرين».
أهمية التجدد في الفكر
والملاحظ أنه في الغرب تتطور المفاهيم وأسماء المصطلحات والنظريات بتطور الزمن والمتغيرات في كافة المجالات، أما في عالمنا العربي فتتجمد المفاهيم والأسماء كتجمد بعض المفكرين وتشبثهم بالمفاهيم والأسماء القديمة، وهذا مؤشر على التخلف الفكري المستمر.
وهذا هو الفرق بين ديناميكية الأفكار وتجددها بالغرب، وجمود الأفكار وتكرارها في عالمنا العربي.
وهذا -ربما لاحقاً- يحتاج مقالاً آخر يناقش نهاية الفلسفة في العالم العربي بشهادة بعض الأدباء والمفكرين العرب.

ذو صلة