مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

الخط العربي في كتابات الرحالة جمس بكنجهام

تُشكل كتابات الرحالة ومذكراتهم جنساً أدبياً راقياً وممتعاً في آن، إذ يكتبون ويدونون مشاهداتهم وانطباعاتهم في مؤلفات تُعدّ مراجع نفيسة عن الأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المنطقة العربية، ترصد الأوضاع الثقافية والفكرية والحضارية السائدة، وتوثق مواقف وعادات وسلوكيات، تبدو عادية لدى السكان المحليين في حين أنها غاية في الأهمية في دراسة تطور الأنماط الثقافية، وفي الدراسات المقارنة لعادات وقيم وتقاليد الشعوب وثقافاتها. وبهذا توفر كتابات الرحالة مادة علمية قيّمة للدراسات الاجتماعية، والأنثروبولوجية، والتاريخية، لأنها تُؤرخ الأنثروبولوجيا الثقافية للمجتمعات والحضارات التي يزورها من خلال رؤية الرحالة لها كشاهد عيان. 
يُفترض في رؤية الرحالة ظناً الحياد، ولكنها غالباً ما تمتزج بمشاعر الرحالة، إلا أن كتابات الرحالة، مهما كان فيها من ذاتية كاتبيها، «تُعدّ مصدراً تاريخياً يعكس ما رأته العين، وسمعته الأذن، ولمسته اليد، أو القدم، فالرحالة الذي تصلنا أدبياته هو الشاهد الذي نجد عنده التاريخ حياً، فشهادته إن صحت تُعدّ مرآة الزمن في اللحظة التاريخية التي زار فيها المكان، والتقى فيها السكان. ولا يُمكن أن يجد الباحث في الوثائق الرسمية ما يجده عند الرحالة من وصف للمشاعر والأحاسيس والانطباعات، وقراءة الوجوه، وهي من الجوانب الإنسانية الغائبة في كثير من الكتابات التاريخية. ومتى ما أُخضعت كتابات الرحالة للنقد التاريخي صارت آمنة الاستخدام، لأن المؤرخ في هذه الحالة يُجنب ذاتية الرحالة، ويستقي من موضوعيته ما يُفيد. ولعل أروع ما يُقدمه الرحالة هو إمساكه بالحدث التاريخي لحظة حدوثه ليبقى حياً إلى أن يصل إلينا، تماماً كما تفعل كاميرا المراسل الصحفي في هذه الأيام».
يلفت الخط العربي انتباه الرحالة الذين زاروا المنطقة العربية، وبفضل تعلّم هؤلاء اللغة العربية وتعاليم الدين الإسلامي، فقد باتوا يستطيعون التمييز بين أنواع الخطوط العربية، بل إن أغلبهم تعرف على الخط الكوفي خاصة، وميزه عن الخطوط الأخرى، ولعل ذلك يرجع إلى أنه خط مميز بالفعل، ربما لهندسية هذا النوع من الخط، فهو نوع من الخط يابس مستقيم الحروف حاد الزوايا، أقرب إلى الشكل الهندسي، وهو من أجود الخطوط شكلاً ومنظراً وتنسيقاً وتنظيماً، فأشكال الحروف فيه متشابهة، ويشيع استخدامه بصفة خاصة في المساجد.

جمس بكنجهام
ولد الرحالة الإنجليزي جمس سلك بكنجهام «J. S. Buckingham1786-1855» عام 1786 في قرية بالقرب من مدينة فالموث بإنجلترا لأب مزارع، ويُغرم بالبحر، منذ صباه، وينتقل وهو شاب إلى الهند، حيث يعمل في إحدى دوائر شركة الهند الشرقية الإنجليزية، ثم يُصدر «صحيفة كلكتا Culcutta Journal»، التي نجحت نجاحاً كبيراً لما كان يكتبه فيها من نقد لأعمال شركة الهند الشرقية الإنجليزية، وما يعالجه من شؤون الهند ببعض من العدل والإنصاف. ولكن انتقاداته أثارت غضب السلطات البريطانية في الهند، وضاق به ذرعاً «جون آدم»، نائب ملك بريطانيا في الهند عام 1823، فعطل صحيفته، وأمر بإخراجه من الهند. ليعود بكنجهام إلى بريطانيا، ويُقيم دعوى قضائية ضد شركة الهند الشرقية أمام البرلمان البريطاني مطالباً إياها بالتعويض، ويُصدر البرلمان حكماً لصالحه إذ يُلزم الشركة بأن تدفع له تعويضاً مالياً بمبلغ مئة باون في السنة.
يغتنم بكنجهام، أثناء عمله في شركة الهند الشرقية، ما يتجمع لدية من إجازات سنوية ليُنفقها في رحلة من رحلاته المحفوفة بالمخاطر والأهوال. إذ كان كثير التطواف والترحال، وكانت البلاد العربية قبلة أنظاره في رحلاته وأسفاره. وقد بدأ أولى رحلاته العربية بمصر عام 1812 فطاف بها من بورسعيد حتى جنوبي أسوان، مستوضحاً عن أماكنها الأثرية خاصة، ومدوناً أحوال السكان أثناء اتصاله بهم في تطوافه، وفي حله وترحاله عامة، وطبع تلك الرحلة في جزءين كبيرين. وفي عام 1814 يقوم برحلة أخرى إلى فلسطين، وشرقي الأردن، وأخرج مشاهداته وملاحظاته في كتابين أيضاً. وفي سنة 1816 بدأ رحلته إلى العراق عن طريق سوريا، بدأها من مدينة حلب في 27 مايو 1816، وبعد أن عبر نهر الفرات اتجه نحو أورفة داخل الحدود التركية حالياً، ثم سار منها إلى ماردين فديار بكر، ومنها كر راجعاً إلى ماردين فمدينة نصيبين، ومن هناك عبر الحدود العراقية متخذاً طريقه عبر سهل سنجار إلى الموصل، ثم دخل بغداد عن طريق الموصل، أربيل، كركوك. وبعد زيارات خاطفة لعكركوف وآثار بابل استقر بضعة أيام في بغداد ليُغادرها إلى الهند عن طريق إيران. وقد أصدر مجلدين عن رحلته إلى العراق، بعنوان «رحلات في بلاد ما بين النهرين Travels in Mesopotania» «لندن: 1827»، الجزء الأول عن ديار بكر وماردين، والثاني عن الموصل وكركوك وبغداد وبابل وبغداد. كما صدرت رحلته عن إيران في مجلدين أيضاً، بعنوان «رحلات في أشور وميديا وإيران Travels in Assyria، Media and Persia» «لندن: 1830»، يصف فيها سفره من بغداد إلى إيران بطريق خانقين وقصر شيرين إلى أن وصل إلى أنقاض مدينة برسبوليس الإيرانية القديمة، ومن هناك غادر إيران إلى الهند ثم عاد من الهند بحراً ليستقر في مدينة البصرة، وبوصفها اختتم رحلته الثانية هذه. وضمّ كتابه عن إيران فصولاً خاصة عن البصرة والخليج العربي. وأصدر بعد ذلك كتاباً جديداً باسم «رحلات بين العشائر العربية»، تحدث فيه عن تطوافه بين العشائر العربية على امتداد فلسطين والأردن وسوريا والعراق. وفي ديسمبر 1816 يزور مسقط في طريق عودته من الهند. 
يستقر المقام ببكنجهام في إنجلترا ويصدر جريدة «صوت الشرق» Oriental Herald في عام 1824، ثم صحيفة «Athenacum» عام 1828 لكنه لم يلق نجاحاً يُذكر. وانغمس انغماساً واسعاً في حملة الإصلاح الاجتماعي في بريطانيا، فاشترك في عدة جمعيات ونوادٍ لهذا الغرض، وكان من أقوى الأصوات المطالبة بالإصلاح في البرلمان الإنجليزي عندما اختير عضواً فيه عن دائرة شفيلد (1832-1837). وعكف في سنوات حياته الأخيرة على كتابة سيرته الشخصية، وكان مقرراً أن تقع هذه السيرة في أربعة مجلدات لكنه لم يُكمل منها سوى مجلدين قبل وفاته سنة 1855.

الخط المسماري 
يذكر بكنجهام الخط والكتابات في رحلته أولاً بالإشارة إلى أنه رأى كتابات بالخط المسماري في «تل المجبلي» الذي يصفه بأنه «أركام خرائب تكونت من تقوض الأبنية» يُرجح أنها ترجع إلى الفترة البابلية في العراق، حيث عثر «فيه على قطع من اللبن الصلب عليها كتابات بالخط المسماري أو البابلي».

الخط العربي 
يشاهد بكنجهام على برجي سور بغداد الباقيين كتابة مستطيلة طويلة في أعالي هذين البرجين نقشت على نسق الخط العربي القديم، و»تحتل شريطاً عريضاً في الجزء الشمالي من هذين البرجين، وقد خطت بأحسن خط عربي قديم، ويظهر من صفة تلك الكتابة أنها ذات الكتابة التي استنسخها «نيبور» من أحد الأبراج، ويظهر من هذه الكتابة أن الخليفة الناصر هو الذي شيدها في سنة 618 للهجرة أو سنة 1221 للميلاد». 
يذهب بكنجهام إلى أنه شاهد على عتبات حوانيت بغداد «خاصية لم ير مثلها في أي مكان آخر»، فيذكر أنه لاحظ في سوق بغداد «وجود شريط من كتابات عربية قديمة تعلو عتبة كل حانوت، وقد حفرت بحروف كبيرة، واعتني بها مثل أي من الكتابات الموجودة في المسجد. ولقد نقشت هذه الكتابات بنسق وانتظام إلى درجة تحمل المرء على الاعتقاد بأنها كانت معاصرة للسوق نفسه، وهو قديم جداً، ولكن هل هذه الكتابات تحمل أسماء الذين اشتغلوا بتلك الحوانيت عند افتتاحها، وهل تضم بعض العبارات المقدسة أو تشير إلى تأريخ تأسيسها؟ إن نظراتنا الخاطفة إليها لم تدعنا نتأكد من ذلك». 
يلاحظ بكنجهام كتابات الخط العربي على جوامع بغداد، فيذكر أن مئذنة جامع سوق الغزل تختلف عن مآذن سوريا ومصر، «والسطح الخارجي لهذه المئذنة يحمل دلائل التصدع، لكن الجزء الباقي منه يشير إلى أن بعض أجزائه الأخرى، كانت مزينة بالنقوش العربية المدهشة، وأن إحدى الكتابات التي نقلها نيبور بمساعدة أحد الملالي العرب تبين أن المسجد قد شيد من قبل الخليفة المستنصر سنة 633 للهجرة الموافق لسنة 1235 الميلادية». أما جامع مرجان، الذي لا يبعد كثيراً عن جامع سوق الغزل، نراه يصفه بأنه «مسجد...، فيه آثار مساوية في القدم لآثار جامع الغزل، وواجهته غنية بالنقوش العربية...، وباب مدخله جميل جداً مؤلف من قوس عالٍ ينتهي كل جانب منه بسلسلة من أشرطة فخمة منحوتة نحتاً رائعاً...، وفي أعقاب آخر هذه الأشرطة قائمة كبيرة ذات قطر كاف يمكن اعتبارها عموداً...، وهذه القائمة مخططة بصفة لولبية على امتداد ارتفاعها، وتبدو على الأجزاء البارزة من هذه التخطيطات كتابات ونقوش دقيقة، بذل جهد كبير فيها، كتبت بنسق العصر الذي وجدت فيه. وهناك فيض من الكتابات التي يستطيع أي أمرئ نقلها إذا تهيأ له الوقت اللازم لهذا العمل الذي يتطلب عدة أسابيع على الأقل». و»جامع الرصافة الذي شيده الخليفة أبو جعفر المنصور سنة 143هـ/ 760م، ويعتبر أقدم جامع في جانب الرصافة من بغداد...، وكان يُعرف باسم جامع القصر، ثم أطلق عليه اسم جامع الخليفة فجامع الخلفاء، أما مئذنته الشهيرة التي لا تزال قائمة فقد شيدت سنة 678هـ/ 1279م». 
يواصل بكنجهام حديثه في موضع آخر عن كتابات عربية بالخط العربي بحروف مستقيمة، وحروف فارسية متعرجة، بجامع الخاصكي ببغداد، فيقول إن «البناء الظاهر داخل المسجد يبدو أنه من تاريخ متأخر كثيراً عن أصل البناء، فهو لم يكن بسيطاً فحسب بل ضعيفاً، ولو أنه يضمّ بعض الكتابات العربية بحروف حسنة بارزة أحدها بالخط الفارسي المتقطع المائل». أما جامع الميدان ببغداد «الذي أضيفت إليه في الآونة الأخيرة زخارف كثيرة، والذي يحتفظ بقبة ومنارة جميلتين زخرفتا بالقاشي الملون والكتابات.
يلتفت بكنجهام كذلك إلى الخط العربي المكتوب على قباب بغداد، فيشير إلى أن «قباب بغداد ذات مسحة فارسية، والفرق بينها وبين قباب تركيا وسوريا من حيث الهيئة والطراز كان أولى الصفات المميزة التي استرعت انتباهي عند دخولي المدينة. وهنالك قبتان أو ثلاث مسطحة وغير مزخرفة لا أهمية لها، ولكن القباب الرئيسة جميعها عالية وضيقة وارتفاعها يزيد على طول قطرها بنحو النصف، وهي غنية بالزخرفة بالكاشي المزجج والرسوم، أما الألوان السائدة فهي الأبيض والأخضر، وبعض الكتابات التي تطوق قاعدة القبة هي الأخرى مزخرفة على هذا النمط». 
ينتبه بكنجهام إلى الخط العربي المكتوب على ما يشيع أنه مرقد السيدة زبيدة زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد. «هذا القبر الذي يقع وسط مقبرة واسعة من قاعدة مثمنة الزوايا ذات طنف تقوم في المقدمة...، ويكون الدخول من السقيفة الخارجية إلى الضريح ذاته، أو إلى القاعدة المثمنة الزوايا عبر ممشى يغطيه سقف معقود، وترى فوقه كتابات حديثة مؤرخة في سنة 1131 للهجرة. ولقد استنسخ نيبور تلك الكتابات، وذكر عنها أن في تلك السنة ذاتها دفن حسن باشا، إلى جانب زبيدة الشهيرة، زوجته المتوفاة عائشة وهي ابنة رجل يدعى مصطفى باشا، وأنه قام في هذه المناسبة بإصلاح البناء كما شيد إلى جانبه بعض المرافق للدراويش أو الجوالين الفقراء والمتمسكين بإيمانهم تمسكاً صحيحاً...، وتقوم قبالة باب المدخل كتابة عربية خطت في شكل نقوش على القاشي، وهذه الكتابة ليست كاملة بسبب اختفاء عدد من قطع القاشي التي دونت عليه». 
يهدي أحد دراويش بغداد إلى بكنجهام نسخة من القرآن الكريم، والتي سرقها منه بعض المسافرين معه في القافلة التي كان يسافر برفقتها في البادية، فيذكر أن «هذا القرآن في أصغر حجم يمكن أن يكون فيه، ومع ذلك كانت قراءته ممكنة لأنه كتب بخط جيد».

الخط الكوفي 
يميز بكنجهام الخط الكوفي في عقرقوف، ففي جانبها الغربي من دجلة، يزور أحد المستشفيات الرئيسة للدراويش. ويصفها بأنها بناية «جيدة شيدت من الآجر، وهي كأي من صروح بغداد، تم تشييدها من ذات المواد التي تبنى منها البنايات الفخمة في أوروبا في الوقت الحاضر، فالنطاق الكبير في الجبهة ذو شكل غوطي، وهو جد مرتفع. والأشرطة الواسعة على كل جانب منه، تضم كتابات كوفية طويلة جميلة خطت بشكل بارز في صيغة زخرف». ويرجع سبب تسمية هذا الخط إلى مدينة الكوفة التاريخية، نقلاً عن كتاب الدكتور فنسنت «Dissertations on the Commerce of Arabia»، والذي يشير إلى أن الفتح الإسلامي لبلاد فارس، قد عمل على فتح طريق عبر شبه الجزيرة العربية من مكة إلى الكوفة، المدينة التاريخية التي ينسب إليها الخط الكوفي».
يتعرف بكنجهام على الخط الكوفي على مباني المدرسة المستنصرية في بغداد، فيذكر أنه شاهد «جبهة البناية المجمعية الشهيرة المعروفة باسم مدرسة المستنصرية التي ذكرها المؤرخون العرب بأنها طراز إحدى الكليات ومأوى المتعلمين. أما الآن فإنها في حالة تهدم ولو أن جزءاً منها ما يزال مستخدماً بمثابة خان أو كروان صاري. ويشاهد على واجهة هذا الجزء المتجه نحو النهر عمود سميك يمتد بطول البناية كلها، وقد يبلغ طوله نحواً من مئتي قدم، ويضم كتابه مستطيلة بالخط الكوفي نقشت في الإفريز العلوي فوق قاعدة مزخرفة، وكلها مصنوعة من الآجر، وقد تهدمت بعض أجزاء الجدار الممتدة حوله هذه الكتابة. وأجري تصليحه دون تجديد الحروف المطموسة، حيث تقطع تلك البقع من البناء المتهدم سطور هذه الكتابة في عدة أماكن. وما يزال هذا الشارع يعتبر من أوسع الشوارع العامة في بغداد. فهو قريب من الجسر لأنه يقع على جهته اليمنى حينما يتم عبوره من ناحية الغرب، وعلى ضفة النهر مباشرة. وقد استطاع نيبور أثناء إقامته هنا أن يستنسخ هذه الكتابة بواسطة أحد الملالي، حيث ظهر منها أن ذلك البناء قد تم تشييده من قبل الخليفة المستنصر سنة 630 هجرية، أو سنة 1231 مسيحية».
يشير بكنجهام كذلك إلى كتابات بالخط الكوفي على خاتم يرجع لأحد الخلفاء ضمن مقتنيات المقيم البريطاني في بغداد مستر كلوديوس جيمس ريج فيقول: «ومن بين الآثار الغريبة خاتم يزعم أنه لأحد الخلفاء، نقش في بغداد القديمة، ويحتوي على الكلمات «يا الله» بحروف كوفية كبيرة غائرة على مادة تشبه الأختام القديمة. وهنالك خاتم بلوري عليه كتابات عبرية يسهل فك رموزها ولكنها غامضة في كليتها».
pantoprazol 60mg oforsendelse.site pantoprazol iv
ذو صلة