مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

الإحيــــاء الرقمــــي.. صيحة سينمائية لأفلام جديدة بنجوم موتى

يعد الإحياء الرقمي للفنانين الراحلين، إحدى الصيحات الجديدة في عالم صناعة السينما، لجأ إليه صناع أفلام الواقع الافتراضي، بإنتاج أفلام جديدة بنجوم موتى، عبر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، الذي حول هذا الإحياء الرقمي للفنان الراحل إلى بيانات رقمية قادرة على التمثيل والغناء، بل ونطق كلمات لم يقلها هذا الفنان من قبل، الأمر الذي يثير العديد من الانقسامات في الأوساط السينمائية، ما بين مؤيد يرى في هذا الإحياء الرقمي وسيلة لتخليد الذكرى والعبقرية، ومعارض يعتبر ذلك تشويهاً لتاريخ لا يقبل التكرار.
الإحياء الرقمي للفنان
يعتمد الإحياء الرقمي للفنان الراحل على طريقتين، الطريقة الأولى وهي إعادة إنشاء الشخصية بالكامل، من خلال تقنية (C G L)، حيث يتم إنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد يبدو مطابقاً للفنان الراحل من حيث الشكل، ويتم ذلك بتنقية عدد كبير من الصور الضوئية وضبطها على دقة عالية، ومعالجتها بواسطة فريق من الخبراء الرقميين، حيث يتم إنشاء الشخصية بالكامل، والطريقة الثانية باستخدام الذكاء الاصطناعي أو ما يطلق عليه تقنية التزييف العميق (Deep Fakes)، والتي تتم باختيار مقاطع من أفلام الفنان الراحل وتسجيلات صوتية له، بحيث تصبح هذه المواد التي اختيرت اللبنات الأساسية للنسخة الرقمية من هذا الفنان، تسمع وتتحرك، بل وتستجيب للأوامر، الأمر الذي يجعل منها في النهاية، مقنعة بصرياً بشكل لا يصدق.
أفلام بنجوم موتى
بدأت فكرة الإحياء الرقمي، مع استخدام التكنولوجيا الحديثة في عالم السينما، ففي عام 1993م استخدم المخرج العالمي الشهير (ستيفن سبيلبرغ)، تقنية (C G L) لإنشاء ديناصورات منقرضة تخثر الدم في فيلمه الشهير، حديقة الديناصورات، ثم أخذ هذا الإحياء الرقمي يدخل إلى عالم البشر، بالاستعانة ببعض النجوم الراحلين في مجال الإعلان، ففي عام 1997م، ظهر النجم العالمي الراحل، (فريد أستير) وهو يرقص مع مكنسة كهربائية في أحد الإعلانات التجارية عبر استخدام تقنية (C G l)، ثم ظهرت النجمة العالمية الراحلة (أودري هيبورن) في أحد الإعلانات، وهي تأكل الشوكولاتة الداكنة في إيطاليا عام 2015م، كذلك عادت المغنية البرازيلية الراحلة (إليس ريجينا) بالإحياء الرقمي، لتظهر في أحد الإعلانات وهي تغني دويتو في إعلان سيارة مع ابنتها مارياريتا، ثم عرف الإحياء الرقمي طريقه لعالم السينما، حيث أحيا المخرج فيليب سيمورهوفمان عام 2014، النجم بول ووكر، الذي توفي عام 2013 في حادث سيارة، ومع ذلك عاد بالإحياء الرقمي لإتمام فيلم (Fast Furious Furious7) باستخدام تقنية (C G L)، حيث تم إضافة ملامح وجهه إلى أداء شقيقه الأصغر كودي عبر 260 لقطة في الفيلم، في عام 2016م، تم الإحياء الرقمي للنجم بيتر كوشينغ المتوفى عام 1994م، ليعيد تمثيل دوره في دور جراند موف تاركين، في فيلم (Astar Wars)، في عام 2019م أعيدت الممثلة المحبوبة (كاري فيشر) إلى الحياة في فيلم (The Rise of Sky walker)، بعد وفاتها قبل ثلاث سنوات، حيث ظهرت في دور الأميرة (ليا أورجانا) لفترة وجيزة في الفيلم، استناداً إلى مزيج من الصور التي تم إنشاؤها بواسطة الكمبيوتر، مع مقتطفات من أفلام فيشر السابقة، بحيث بدأت للمشاهد العادي كما لو أنها كانت حاضرة في موقع التصوير مع بقية الممثلين، كذلك الأمر بالنجم هاريسون، الذي تم تعديله رقمياً ليبدو أصغر سناً ليشارك في فيلم (إنديانا جونز ونداء القدر) عام 2023م، بل إن السينما العالمية توسعت في الإحياء الرقمي، إلى أبعد من ذلك فعملت إلى إحياء نجوم قد فارقوا الحياة منذ سنوات طويلة، على رأسهم نجم هوليود الشاب (جيمس دين)، الذي توفي في حادث عام 1955م، عن عمر ناهز 24 عاماً، وكانت حصيلة مشواره السينمائي ثلاثة أفلام فقط، نالت جميعها استحساناً كبيراً في الأوساط السينمائية، والآن بعد مرور ما يقرب من سبعة عقود على رحيله، تم إحياؤه رقمياً ليقوم ببطولة فيلم جديد يحمل عنوان (العودة إلى عدن)، حيث تظهر نسخة رقمية من دين، تم إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي، وهي تتحدث وتتفاعل مع الممثلين الآخرين في الفيلم، بل وتعدى الأمر ذلك إلى التفاعل مع الجمهور، عبر منصات تفاعلية تشمل الواقع المعزز، حيث تتجاوز هذه التقنية بكثير الواقع الافتراضي في الألعاب ومجرد إعادة البناء الرقمي السلبي، أو تقنية التزييف العميق، التي تركب وجه شخص على جسد آخر، حيث تعد هذه التقنية في طليعة تقنيات الصور المولدة بالحاسوب في هوليود.
الإحياء الرقمي إشكاليات متعددة
إذا كانت عملية الإحياء الرقي للنجوم الراحلين، تعد من المنشطات للصناعة السينمائية، باستخدام التكنولوجيا الحديثة، لكن هذا الأمر يطرح العديد من الإشكاليات في مقدمتها:
الإشكالية الفنية
يرى البعض من الناحية الفنية، أن هذا يتنافى مع السينما التي نعرفها، بما تحمله من احتفاء بالجمال والبساطة، التي لا تعرف هذا البذخ الرقمي، وتحتفي بالكائن الإنساني المتفرد، الذي يترك وراءه عنواناً واسماً لامعين، من حيث إن هذا الإحياء الرقمي ليس تخليداً للفنان، بل تشويهاً له عن طريق صبه في أشكال فنية بتقنيات حديثة، ففي الحقيقة لا يوجد تمثيل للفنان في الفيلم بالشكل المباشر المتعارف عليه، من حيث اختيار الدور الذي يقوم بتمثيله، الأمر الذي يوحي لنا دائماً بالشعور بوجود شيء ناقص في الفيلم، فقد ينجح الإحياء الرقمي في محاكاة الشكل، لكنه سيظل دائماً عاجزاً عن محاكاة الصدق الفني، لأن بقاء الفنان الراحل في وجداننا نابع من كونه إنساناً من لحم ودم، محملاً بمشاعر وأحاسيس، أما نسخه بالذكاء الاصطناعي فسيظل دائماً مجرد صدى باهت في غرفة مرآة تكنولوجية تذكرنا بمن فقدناه، ولكن لا تعوضنا عنه.
الإشكالية المهنية
كما تبرز الإشكالية المهنية، فهذا الإحياء الرقمي يمثل تهديداً للوظائف والأعمال في مجال صناعة السينما، خصوصاً بعد أن لجأ بعض صانعي الأفلام، إلى استخدام تقنية التزييف العميق لإنشاء ممثلين جدد من بين 20 وجهاً مختلفاً، هذا إلى جانب أن تكلفة الجهات الفاعلة الرقمية، أقل من دفع تكاليف أجور الممثلين الحقيقيين، الأمر الذي سيؤدي إلى مزيد من تسريح العاملين في مجال الفن السينمائي، مثلما حدث عندما استبدلت صناعة التأثيرات الرقمية أقساماً كاملة من الأشخاص، الذين كانوا يعملون في مجال إنشاء الألعاب النارية والانفجارات والخدع السينمائية.
الإشكالية الأخلاقية
وبعيداً عن الفن تبرز الإشكالية الأخلاقية لهذ الإحياء الرقمي للفنان الراحل، ولعل من أبرزها، ماذا لو استخدم هذا الفنان في سياقات لا تليق بمكانته الفنية، ومن هنا يطالب الخبراء بضرورة وضع تشريعات واضحة تنظم استخدام مشاهير الفن الراحلين، لضمان عدم استغلالهم تجارياً في أشكال تسيء لهم ولمكانتهم الفنية، ومن هذا المنطلق فإن الإشكالية الأخلاقية تلقي بظلالها على الصناعة، والتي لم تتخذ بعد موقفاً موحداً مؤيداً أو معارضاً لفكرة الإحياء الرقمي للنجوم الراحلين.
الإحياء الرقمي نظرة إيجابية
على الرغم من وجود هذه الإشكاليات، فيما يتعلق بعملية الإحياء الرقمي للفنانين الراحلين، إلا أن هناك من ينظر إليه نظرة إيجابية تتمثل في أن هذا الإحياء الرقمي لعمالقة الفن والتمثيل في العالم، سيكون ممارسة شائعة في المستقبل عبر استخدام تقنية (World wide X R) التي تهدف إلى بناء بشر رقمي ثلاثي الأبعاد، يمكن استخدامه في جميع الوسائط، وليس الأفلام فقط، بما يتيح الأمر لإحياء شخصيات تاريخية لتظهر في الأفلام الوثائقية والمواد التعليمية، الأمر الذي يفتح آفاقاً جديدة للابتكار السينمائي لإعادة إحياء جزء مهم من التاريخ السينمائي العالمي.
استلهام هذا الفنان الراحل في قوالب عصرية، يخلق جسوراً من التواصل مع الأجيال الجديدة، لتعايش مسيرة هذا الفنان، الأمر الذي يفتح حالة من الحوار المتجدد حول فنه وإبداعه.
هذا الإحياء الرقمي للفنانين الراحلين، سيحتاج إلى الكثير من الأشخاص، خلف الكاميرات وأمامها، فالصناعات الرقمية، ستحتاج إلى أناس لمسح الوجه ثلاثي الإبعاد، وأدوار جديدة لممثلي الصوت، ووظائف جديدة للدوبليرات الذين يؤدون الدور والحركات الفعلية التي يتطلبها النص.
أخيراً.. إن الإحياء الرقمي للفنانين الراحلين، يسلط الضوء، على التقاطع ما بين السينما والتكنولوجيا الحديثة، ويعكس كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في إعادة إحياء التاريخ الفني وإعادة تصوير الأعمال الكلاسيكية، ولكنه في الوقت نفسه، يثير العديد من النقاشات والإشكاليات الأخلاقية وحتى القانونية، حول حدود استخدام التقنيات التكنولوجية في الفن والإبداع.

ذو صلة