ولأن حروف الكلمات (أمة) بحسب وصف الشاعر ابن عربي (1165 – 1240م)، فهي أمة كذلك عند كل صاحب فكر أو رسالة، يجسدها ويكتبها مؤلف بالألوان، أو يرسمها مبدع فنان، بهدف توصيل معناها للمتلقي، وقد يأمر الفنان الحروف فتأمر أو ينهاها فتنهى، ما يجعله ينطلق من فكرة، سواء كانت خيالية أو واقعية، لينسج أفكاراً متتالية، ويضيف شيئاً من نفسه.
النص.. بياناً ومكانة وإطاراً
بالعودة لما قبل ظهور مصطلح (الفن النصي)، واعتباره فئة مستقلة، كان فن صناعة الصور الغربي، قائماً على تحالف وثيق بين الكلمة والصورة، حيث عدت المخطوطات المزخرفة بالعصور الوسطى نقطة انطلاق واضحة، فالكتابة هنا لم تكن مجرد وعاء للصور، والصور لم تكن مجرد إضافات منمقة للنص، بل إن الخط والزخرفة والأيقونات والهوامش والتعريب والرسم المصغر، كلها عملت مع بعضها لتكون نظاماً موحداً للمعنى، وبذلك المعنى يرسي فن التذهيب منطقاً غربياً أساسياً، فالعمل الفني شيء يقرأ ويرى باللحظة ذاتها، حيث ترتكز سلطة الصورة بمعظم الأحيان على سلطة الكلمة المكتوبة.
علماً بأن تاريخ الفن الغربي وصناعة الصور بالفنون البصرية، والتفوق التاريخي للرسم الذي رافقها؛ قد نشأ من المخطوطات المزخرفة، وهي ممارسة فنية بدأت تظهر عام (500م) تقريباً، وبلغت مجدها بعد مرور تسعة قرون، وهي نهضة للحرية الفنية وصناعة الصور. ومع تطور فن الرسم، ظل النص حاضراً في شكل نقوش تشكل جزءاً من الصورة، التي عدت نافذة مفتوحة على العالم، ويصفها الرسام الإيطالي جورجيو فاساري (1511 - 1574م) في كتابه (النوافذ المفتوحة) بقوله «في الفن الديني، عملت الكلمات لتكون معرفات وأسساً لاهوتية، موضحة هوية الشخص المصور والحدث الممثل، وإلى جانب الأيقونات أدت النقوش أدواراً عملية واجتماعية، فكانت تستخدم لذكر أسماء الرعاة، وتحديد الملكية، وتخليد ذكرى الأحداث، أو تأكيد هوية الفنان عبر التوقيعات والتواريخ».
ما يعني أن النصي، أصبح بمكانة بيان حول التأليف والمكانة والإطار المفاهيمي للصورة. وذلك التداخل بين اللغة والإنتاج البصري يتعمق مع ظهور فن الطباعة، كالنقوش الخشبية والحفر والنقش على الخشب، حيث يدمج النص هيكلياً في كيفية تداول الصور، ودوماً ما تتطلب المطبوعات عناوين وتعليقات توضيحية ومفاتيح رمزية ومعلومات نشر، كما أنها ترسخ أعرافاً خاصة بالتأليف والنشر، لذا نجد أن ألفاظاً مثل (ابتكره، وحفره، ونشره) وغيرها من بيانات حقوق الملكية، تحول العمل الفني لوثيقة ذات سلسلة إنتاج واضحة، وهنا لا يعد النص مجرد زخرفة، بل جزءاً أساسياً من بيانات المطبوعة ومعناها، ويشكل تفسيرها ويعزز انتشارها وتوزيعها بالمجال العام.
عنصر بنيوي لإنتاج المعنى
في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، باتت العلاقة بين الكلمة والصورة تجريبية وحديثة، وبشكل واضح تناولت حركات فنية، كالفنون والحرف والفن الحديث وفن الآرت نوفو، والطباعة والزخرفة والصورة والتصميم في مجال موحد، وهو مثال على العمل الفني العام أو المتكامل، الذي يطمس الحدود بين الفن الراقي والفن التجاري، ومن هنا دفعت طليعة الفن بأوائل القرن العشرين النص إلى مركز الصورة، عبر فن الكولاج والمونتاج، وبالتكعيبية مع الرسام الإسباني بابلو بيكاسو (1881 – 1973م) والرسام الفرنسي جورج براك (1882 – 1963م)، حيث تدخل الأجزاء المطبوعة والملصقات وطباعة الصحف للسطح التصويري لتكون مواد حقيقية، وتصبح اللغة جزءاً حرفياً من الصورة.
وفي النصف الأول من القرن العشرين، ظهر النص أيضاً ضمن السريالية بشكل حاسم بأعمال السريالي البلجيكي رينيه ماغريت (1898 – 1967م)، الذي يعد مرجعاً حديثاً مهماً جداً للفن النصي، مثلما نعرفه حالياً. فبدلاً من التعامل مع النص بوصفه شكلاً مادياً أو رسومياً؛ تناول ماغريت اللغة لتكون برنامجاً مفاهيمياً، فاستخدم الكلمات لزعزعة يقين المشاهد بشأن التمثيل نفسه، ولفرض مواجهة بين التسمية والرؤية، بين الشيء ووصفه اللغوي، ومثاله الأشهر (خيانة الصور) عام 1929م، الذي يحمل عبارة (هذه ليست غليونا Ceci n›est pas une pipe)، يجسد هذا المنطق بوضوح، فالغليون المرسوم ليس غليوناً حقيقياً، ولا يمكن تدخينه، ليكشف عن الفجوة بين اللغة والصورة والواقع، وبذلك المعنى يسهل فهم ماغريت للفن المفاهيمي، بترسيخه الفكرة الأساسية القائلة بأن النص ليس مجرد أداة تواصل، بل عنصراً بنيوياً لإنتاج المعنى نفسه.
إبراز التأويلات المتعددة
حظي الفن النصي باهتمام نفر من منظري الفن والنقاد وخبراء اللغة، وعلى سبيل المثال تناولت المؤرخة والناقدة الفنية الأمريكية روزاليند كراوس في مقالتها (ملاحظات على الفهرس، فن السبعينات في أمريكا) الفن النصي في سياق الفن المفاهيمي، وجادلت بأن استخدام النص بالفن المفاهيمي، يعد وسيلة لتقويض المفهوم التقليدي للفن بأنه موضوع للتأمل، فبدلاً من ذلك يحول استخدام اللغة بالفن المشاهد إلى قارئ، ويتوقع منه فك شفرة معنى العمل الفني، كما أشارت كراوس إلى أن الفن النصي يتميز بحالة متناقضة من (الحضور والغياب)، فالكلمات على سطح العمل الفني موجودة فعلياً، لكن معناها ليس واضحاً على الفور، وترى كراوس أن هذا الغموض عنصر أساسي بالفن النصي، يتطلب من المشاهد المشاركة بفعالية بعملية بناء المعنى.
وتؤكد كراوس في نظريتها التحليلية على أن العمل الفني، لا يحدد أو يقيد بنوايا الفنان وحده، بل يبنى أيضاً عبر تفاعل المشاهد معه. وفيما يتعلق بإمكانات الفن النصي في التعبير عن المعنى؛ اهتمت كراوس بالطرق التي يمكن بها استخدام الفن النصي، لاستكشاف نطاق واسع من المواضيع والأفكار، ومن التعليقات السياسية والاجتماعية، إلى التعبير الشخصي والمشاعر الإنسانية والعواطف والحدس، ويحتمل أنها قد ترى الفن القائم على النصوص بأنه شكل قيم من الناحية النظرية والعملية للتعبير الفني، والذي يناوئ الحدود التقليدية بين الأشكال الفنية. كما أنه يدعو المشاهدين بنجاح للمشاركة الفعالة في كل من العمل القائم على النصوص وعملية صنع المعنى.
ووفقاً للفيلسوف والناقد الأدبي الفرنسي جاك دريدا (1930 – 2004م) ومن خلال تطبيق تحليل التفكيكية؛ لا يكون معنى النص أو الكتابة ثابتاً أبداً، لوجود غموض دائم، وبالتالي تفسيرات متعددة، وفي سياق الفن القائم على النصوص، على عكس النص الأدبي مثلاً؛ تفترض تفكيكية دريدا أن الكلمات الظاهرة على سطح العمل الفني يمكن قراءتها بطرق مختلفة، تبعاً لسياق المشاهد وخلفيته الثقافية وتجاربه الشخصية. وبالنسبة لديريدا فإن هذا التعدد بالمعاني والأسباب الثقافية والهوية التي تساهم في هذا التعدد؛ هو عنصر أساسي بالفن القائم على النصوص، لتحديه المفهوم التقليدي للمعنى الواحد الثابت بسلسلة من الحروف أو الأحرف التي تشكل كلمة أو عبارة.
وبتطبيق منهج التفكيك التحليلي يرى دريدا الفن النصي وسيلة عميقة للتساؤل عن مفهوم المعنى نفسه، وهو تساؤل يتجاوز أي لغة أو جمالية ويتناول قضايا عالمية، وبشكل أكثر تحديداً يرى دريدا أن الفن النصي بمعظم الأحيان يكون قادراً على إبراز واستكشاف كل التأويلات المتعددة والمتناقضة، التي يمكن استخلاصها من أي نص أو عبارة لغوية، سواء كانت قصيرة كعبارة واحدة، أم طويلة ومعقدة كرواية كاملة، وبالتالي أي فكرة أو وجهة نظر قد تعبر عنها بتلك النصوص، وبنفس السياق يشير الفيلسوف الفرنسي رولان بارت (1915 – 1980م) إلى أن النص عبارة عن جسم مدرك بالحاسة البصرية ومرتبط تشكيلاً بالكتابة. ولأن مجرد نص الحروف والألوان يبقى تخطيطاً، فهو إيحاء بالكلام وبتشابك النسيج.
النص حليف طبيعي للفنان
إن أهم ما يميز المقامات التي نسخها الرسام والخطاط العربي يحي بن محمود الواسطي عام 1237م احتفاؤها بالأمكنة، والتي يحمل معظمها عنواناً للمكان الذي يوحي للبعد المكاني، وإلى الحيز المحدد الذي يشكل ديكوراً أو إطارات للأفعال والأحداث وكل مكان، بإحالته الرمزية يستدعي دلالة لونية وهندسة معينة، ويعكس حروف النص المكتوب، وما يوازيه بالنص التشكيلي. كذلك نجد الواسطي ومن خلال نموذج تلقيه للمقامة البرقعدية، ركز على خصوصية المكان للمسجد، فهو فضاء إسلامي له هوية واضحة من قبل النص، وبذلك باتت قصص المقامات قوالب لغوية تضم العديد من المشاهد، كل منها يعكس صورة بذاتها، لذلك فالإشارة اللفظية فيها تعد إحدى الوسائل الفنية التي حركت الانفعال اللوني في منمنمات الواسطي.
فكان السعي البصري تحويلاً للمشهد القصصي إلى مشهد لوني مهم في إنتاج رمزه الدلالي النوعي، القائم على حساسية الصورة بالمشهد القصصي اللفظي، وجعله خطاباً لونياً وتعبيراً شكلياً.
وبالنسبة للفنانين الغربيين شكل عمل الفنان المفاهيمي الأمريكي جوزيف كوسوث المسمى (كرسي واحد، وثلاثة كراسي) عام 1965م جسراً مفاهيمياً مباشراً للدراسات التي بدأها الفنان رينيه ماغريت. يتألف العمل من ثلاثة عناصر: كرسي حقيقي، وصورة فوتوغرافية له، وتعريف معجمي لكلمة «كرسي» في نص، ما يفصل بين الكرسي وتمثيله البصري، ووصفه اللغوي إلى مكونات متميزة ولكنها مترابطة، فبينما أثبت ماغريت أن الصورة ليست هي الشيء الذي تصوره، يكشف كوسوث عن النظام السيميائي.
لذلك عد النص حليفاً طبيعياً للفنان، ولاسيما الفنان المفاهيمي، ومن أوضح الأمثلة الأخرى عمل المصور الأمريكي جون بالديساري (1931 – 2020م) المسمى (لن أصنع فناً أكثر مللاً) عام 1971م، وفيه جملة مكتوبة بخط اليد مرات ومرات، كإيماءة مفاهيمية وبيان نقدي ساخر. ومع توظيف هؤلاء الفنانين المفاهيميين البارزين للنصوص بشكل أساسي بعبارات جدارية أو أعمال ورقية أو أشياء جاهزة، أو توثيق فوتوغرافي؛ بدا الأمر وكأن الرسم قد أُقصي من المشهد الفني.
ومع ذلك استخدم عدد من الفنانين المفاهيميين، النصوص لإعادة إدخال الرسم إلى الحوار الفني بطريقة غير مباشرة، ويعد الرسام الإيطالي أليغيرو بويتي (1940 – 1994م) فناناً محورياً بنفس السياق، إذ يصبح النص بأعماله عنصراً أساسياً ليس فقط من ناحية المعنى، بل أيضاً من حيث البنية البصرية، ففي تركيباته الشبكية المميزة، ولاسيما أعماله المطرزة المؤلفة من حروف ملونة؛ تشكل اللغة بنفس الوقت محتوى لغوياً وعنصراً شكلياً، لتبرز النمط والإيقاع والتنظيم اللوني، مع الحفاظ على نقل المعلومات الدلالية.
ويمكن إيجاد نهج مشابه، وإن كان مختلفاً في أعمال الفنان الأمريكي ميل بوخنر (1940 – 2025م)، الذي يمنح النص بعداً تعبيرياً صريحاً، ففي أعماله كـ(اللغة ليست شفافة) عام 1970م ولوحاته الشهيرة (كلام فارغ)؛ يوضح بوخنر كيف يمكن للكلمات أن تكون ناقلة للمعنى ومادة فنية أيضاً، حيث يعيد المقياس والتكرار واللون والإيماءة إدخال الاعتبارات الشكلية للرسم إلى الممارسة المفاهيمية عبر اللغة.
وكل ما ورد يعني أن الفن النصي قد تبوأ مكانة فريدة بالفن الحديث، وأذاب الحدود التقليدية بين القراءة والمشاهدة، ليحول اللغة إلى وسيط وموضوع في الوقت نفسه.