في 29 مايو 2026 فقد العالم إدغار موران، عالم الاجتماع والفيلسوف وكاتب السيناريو والمخرج الفرنسي، عن عمر ناهز 104 أعوام.
ولد إدغار موران في باريس عام 1921 بعد هجرة أسرته من سالونيك إلى مرسيليا ثم باريس. كان اسمه في البداية هو دافيد صالومون نحوم، وارتأت أسرته تغييره إلى إدغار، نشأ في أسرة علمانية، تنحدر من أصول يهودية سفاردية، كان والده تاجراً للملابس المحبوكة، تشاركه زوجته في عمله قبل وفاتها عام 1931 وإدغار لا يزال في العاشرة من عمره، تلقى الفتى تعليمه في المدارس الابتدائية والثانوية العامة بباريس ثم التحق بجامعة الحقوق، حيث درس القانون لفترة قصيرة ثم جامعة السوربون التي شهدت دخول السينما إلى حرمها بفضل دراسات قام بها الفيلسوف والمنتج (جيلبير كوهين صيبيا) تحت مسمى (الواقعة الفيليمية) و(الواقعة السينمائية)، وهي إسهامات مكنت إدغار من الاستفادة في حقل السينما إلى جانب ما كان ينشر في مجلة الدولية للفيلمولوجيا التي شكلت إطاراً معرفياً للبحث والتفكير في السينما.
لم يكن موران مجرد عالم اجتماع أو فيلسوف بل كان ضميراً معرفياً أثرى الساحة الفكرية العالمية في مختلف القضايا؛ سياسة واقتصاداً وهوية وتعليماً وتنظيراً للأدب والسينما وغيرها من القضايا التي دلت على موسوعية الرجل وثرائه المعرفي المتنوع، توثق في كتبه التي جاوزت حدود الجغرافيا واستطاعت أن تمتد إلى عموم النقاشات الفكرية العالمية بفضل فكره المركب الذي ظل وسيلة لفهم تعقيدات الواقع المعاصر، ورؤيته التي تجاوزت الاهتمامات المحلية إلى نطاقات دولية تهم البشرية كلها، مؤمناً بوحدة المصير وبمبدأ المواطنة العالمية، أظهره نتاجه المعرفي الغزير الذي دل على اتساع أفقه المعرفي منها: (العام صفر لألمانيا) 1946 و(الإنسان والموت) 1951 و(السينما أو الرجل الخيالي) 1956 و(نقد ذاتي) 1959 و(روح العصر) 1962 وإشاعة أورليان 1969 و(البراديغم المفقود) 1973 و(الثقافة والبربرية الأوروبية) 2005 و(إلى أين يسير العالم؟) 2007 الذي بيَّن فيه أن التقدم لا يعني تحقيق المنفعة للإنسان، مؤكداً على أن الإنسان المعاصر لا يزال يحيا في العصر الحديدي و(من أجل علم الأزمات) 2016 و(معجم القرن الـ 20) الذي تنبأ فيه بظهور أوبئة عالمية بسبب تحول الإنسان المعاصر إلى مترحل (نوماد) و(دروس قرن من الحياة) 2021 وكتاب (العقل المحكم إعادة التفكير في الإصلاح وإصلاح التفكير) الذي تناول فيه قضايا التربية والتعليم وترجمه عالم الاجتماع التونسي الراحل المنصف وناس، وقد فكك فيه إدغار فكرة العقل المحكم الذي يهدف إلى تنظيم المعارف وتجنب تراكمها بشكل عقيم، وكتابه (وقت إضافي) 2023 و(هل هناك دروس للتاريخ؟) 2025.
أما كتابه الأهم فهو (المنهج) الواقع في ستة أجزاء، ويعد موسوعة علمية حقيقية شكلت جوهر مشروع إدغار موران لفهم التعقيد في الحياة والإنسان والطبيعة والأخلاق والمعرفة، ألَّفه الفيلسوف الفرنسي ما بين 1977 إلى 2004 مكوناً من مجموعة كتب ألفها متفرقة هي طبيعة الطبيعة 1977 وحياة الحياة 1980 و(معرفة المعرفة) 1986 و(الأفكار: مقامها، حياتها، عاداتها، تنظيمها) 1991 و(إنسانية الإنسانية، الهوية البشرية) 2001 و(علم الأخلاق) 2004، يعلن موران عبر هذه الكتب عن رفضه المطلق للفصل بين التخصصات لأنها تجزئ المعرفة والحياة، لذا يقترح فكراً مركباً يخيط بين العلوم الطبيعية والإنسانية والفلسفة للتعامل مع تعقيدات الواقع في تركيبه عوض اختزاله في شكل تفسيرات مجزأة لا تستطيع أن تفهمه وتعيه على حقيقته، لذا فـ(موران) وهو يؤسس لمشروعه الفكري في إطار مركب ارتأى أن جوانب نفسية ووجدانية ووجودية تم إقصاؤها في العلوم الطبيعية تخفي الجوانب الإنسانية للفرد، كانت السينما من أهم المجالات المعرفية الجمالية التي تعزز هذا الفكر المركب وتجليه في بنيتها الداخلية لما تتيحه السينما من تمثيل للواقع وعكس للتجربة الإنسانية في أبعد أغوارها يجعل منهما أداتين معرفيتن لفهم الوجود والإنسان، لذا يعتبر موران السينما الوجه الكاشف لعلاقة الإنسان بالواقع والحياة والآخر، إنها الوسيلة التي تضمن صهر العالم كله في بنيتهما الداخلية، فتمنح الإنسان كينونته الوجودية وتكشف عن وضعه البشري عبر تناول الإنسان في أشد تعقيداته وعبر الفكر العميق الذي يكون وراء إنتاج الجمال، إذ كان إدغار مولعاً بالسينما ولعاً شديداً، ولع نشأ معه في طفولته التي فقد فيها أمه فكان يجد في مشاهداته الكثيرة للأفلام نوعاً من الحضن الدافئ والملاذ الآمن، ما أسهم في تشكيل ذائقة جمالية ستدخل موران إلى بوابة الإخراج السينمائي، حيث تجاوز حدود التنظير للسينما حينما شرع في جعل السينما موضوعاً جديداً للبحث العلمي تحت مظلة الأنثروبولوجيا، ما شكل منعطفاً جديداً في تناول الظاهرة السينمائية ومقاربتها من زاوية علم الاجتماع باعتبارها ظاهرة مركبة، فكانت كتاباته التنظيرية في (كتاب السينما أو الإنسان المتخيل) 1956 الذي كشف فيه عن العلاقة بين الصورة السينمائية والبعد الوجداني الإنساني، وكتاب (نجوم السينما) 1957 الذي تناول فيه هوس الجمهور بالسينما، وكتابه (حياتي والسينما) ودراساته عن السينما ما بين 1952 و1962 مشروعاً إبستمولوجياً جديداً في تاريخ السينما خلال الخمسينات من القرن الماضي استطاع أن ينقل الظاهرة السينمائية من حدودها الجمالية والفنية إلى مستويات أعمق ترتبط بالوجود الإنساني والأبعاد السيكولوجية والأنثربولوجية وشبكات العلاقات المعقدة في المجتمعات المعاصرة فخاض موران تجربة الإخراج باشتراك مع المخرج جان روش مؤسس السينما الأثنولوجية في الفيلم الوثائقي (يوميات صيف) وتجربة كتابة السيناريو سنة 1964 بعنوان (ساعة الحقيقة) الذي تولى المخرج هنري كاليف إخراجه.
رأى موران أن السينما جزء من البنية النفسية والثقافية للمجتمع وليست مجرد مرآة تعكس هذا الواقع، فهي بحكم احتضانها لجملة الفنون الأخرى في نسيجها الداخلي يجعلها ذات طبيعة مركبة تتلاءم مع فكر موران المركب فولج إليها من بوابة علم الاجتماع، جاعلاً من السينما قضية فكرية ووجودية ونفسية وأنثروبولوجية تقف إلى جانب غيرها من الحقول المعرفية في سبيل إعلاء إنسانية الإنسان، متجاوزاً النظرة المحدودة للإثنية والعرقية والدين، منعتقاً عبر بوابة الفكر الحر إلى عالم إنساني كوني تتناغم فيه القيم وتتسامى فيه إنسانية الإنسان على أي معيار أو ميز مقيد للحرية وكابح للكرامة والعدالة.
إن مشروع موران لم يقف عند حدود ما هو فلسفي وإبستمولوجي، وهو يؤسس لمشروع الفكر المركب وإنما امتد مشروعه إلى الفنون والثقافة، معتبراً السينما فضاء لكشف تعقيدات التجربة الإنسانية في نقلها لتشابكات الواقع والخيال والفرد والمجتمع والعقل والعاطفة، ثنائيات توخى فكره المركب فهمها في وحدتها لا في انفصالها، ما جعل موران مفكراً كوكبياً تجاوز مشروعه الحدود المنغلقة للهويات والتخصصات إلى خلق أفق كوكبي منفتح ومشترك بين الإنسان يتخطى كل التمايزات العرضية، ويقيم فكره على الجوهر، تشكل السينما والأدب عموماً أدوات معرفية حقيقية فعالة تستطيع فهم الإنسان في تعقيداته في واقع معاصر أرخت فيه العولمة بظلالها على كل مجال.