في أحاديث الناس، وبين علاقاتهم، وفي أحوالهم ومسالك عيشهم المعقدة؛ تظهر ثنائية شهيرة في تصنيف الإنسان ومحاولة تنميطه، وهي: الضعف والقوة. وهي ثنائية قديمة قدم الإنسان ووجوده، وقد كانت موضوعاً لنقاشات واختلافات ثقافية منذ بدأت الاجتماعات البشرية، فقد تراكمت الاختيارات والإجابات والنقاشات في بناء معايير ثقافية، لتحديد القوي من الضعيف، وهما طرفان متقابلان لطبيعة أخلاقية واحدة، القوة طبعٌ شريف مرغوب والضعف عكسه ونقيضه. وبعيداً عن الخوض في تحديد معايير القوة عن معايير الضعف، وحجم تغيّرها من ثقافة إلى أخرى؛ تظل القوة مطمعاً إنسانياً واتجاهاً واضحاً للتّرقي والتطور، ويظل الضعف عيباً نهرب منه.
والإنسان ضعيفٌ في أصله إذا قورن بخالقه، فنحن الضعفاء أمام خالق يملك كل أسباب القوة. لكن الإنسان في مقابل أقرانه وفي علاقاته داخل مجتمعه مطالب بامتلاك شكل من أشكال القوة، ويظل الضعف وصمة عار يكره الاقتراب منه.
والإنسان يملك قراره، وهو مسؤول عن اختياراته في عيشه اليومي وطريقة حياته. والضعف والخور لا يظهر دائماً بوجهه الواضح، وإنما يكمن في كثير من اختياراتنا وقراراتنا تحت صفات وتبريرات مختلفة، وقد تكون مقنعة ومبررة. فمن ذلك التبعية المطلقة والذوبان الكامل في نسق يبتلعه ولا يكاد الخروج عنه، وهي صورة شائعة في كثير من المجتمعات، إنه نمط يسلّم قراره واختياره لخطاب ثقافي يتحكم به ويسيّره وفق عادات وتقاليد وممارسات محفوظة، لتمثل قانوناً غير مكتوب يتحول معه الناس إلى نسخ مكررة، تسير في سلوك متوقع، إنها حياة تمتلئ بالمحاذير والنواهي والأوامر، يسجن الضعيف فيها نفسه مؤثراً السلامة والراحة، متجاهلاً حاجات نفسه وضرورة اختلافه عن الآخرين ونوازعه المختلفة، وتلك الأصوات المكتومة في داخله التي تحثّه على التغيّر. إنه ضعيف؛ لأنه لا يملك أن يقول لا لهذه الأوامر، ولا يطيق الخروج عليها، حتى لو خالفت هواه أو جاءت ضد حاجاته وقناعاته. إنه ضعيف؛ لأنه يظل يروّض نفسه ويقمع رغباته، مجبراً إياها على السير في طريق الآخرين وتقليدهم والاحتماء بتوافقهم واجتماعهم والابتعاد عن مخالفتهم أو الانفراد بما يميّزه عنهم، فهو يخشى المواجهة ويفزع من التجارب الجديدة، ويظل وفياً لطريق مألوف ومعبّد، ذائباً في جموع الناس وأنساقهم.
ومن صور الضعف وأنماطه سلوك الانسحاب والهروب، وهو موقف سلبي يحجم الإنسان فيه عن الانخراط في مجتمعه، ويتحصّن بدلاً عن ذلك بحجج الابتعاد والانسحاب، وكأنه اختار عدم المشاركة، أو المراقبة الصامتة لأحداث حياته. وهو ضعيف؛ لأنه اختار الهروب عوضاً عن المواجهة، إنه نوع من الانكفاء والتوحّد، يصنع فيه الإنسان عالمه الصامت وقصره العاجي الذي يتوارى فيه ويحتمي بحوائطه عن الآخرين، مضمراً احتقارهم أو الخوف منهم أو عدم فهمهم.
ومن صور الضعف أيضاً احتقار الإنسان نفسه، وكأن وجوده مجرد زيادة عن الحاجة، فهو الراضي دائماً بكل ما يأتيه، معتقداً أنه لا يملك الحق في طلب المزيد، ويظل يعنّف نفسه إن طلبت ما ليس لديه.
ومن صور الضعف المبالغة في الخوف والترقب والحذر، حتى يتحول ذلك إلى سلوك مرضي، فهو إن كان في صحته يترقب مرضه، وإن كان في فرحه يترقب حزنه ومصيبته، وإن كان في غناه يترقب فقره، إنه مشغولٌ دائماً بحدث مستقبلي سيدمره ويقضي عليه، وكأن حذره وترقبه سيحميه من هذا المصير. وهناك صور أخرى وأشكال مختلفة. وحياتنا وطرائق عيشنا وأنماط سلوكنا؛ تمتلئ بنتائج قرارات كان مبعثها الضعف والخوف وحب السلامة والفزع من التغيير.
وفي الضفة الأخرى يوجد الأقوياء، وهم أناس يعيشون بيننا لكنهم يملكون في طبائعهم ما لا يملكه الضعفاء. إن القوة جوهر إنساني وخصيصة بشرية متصلة بإمكانات الإنسان وعقله وتفوقه، فالله عز وجل شرّفنا بعقولنا وجعلها معيار تفاضلنا، فالجمادات تحكمها القوانين الفيزيائية، والحيوانات تحكمها الشهوات والغرائز، والإنسان هو الوحيد الذي يعود لعقله ومنطقه، ليسمو بذاته ويحقق وجوده.
والإنسان محتاج إلى أن يشعر بقوته وهو شعور مريح يبعث على السعادة، كما أن كبْت الضعفاء وخوفهم وترددهم يوردهم مواطن الشقاء والبؤس والقلق. إن مواطن الترقي وبوصلة التميز الإنساني تقوده ولا شك إلى شكلٍ من أشكال القوة، حين يدافع عن نفسه ويحمي آراءه ويفرض طريقته ويظهر تميزه وتفوقه، فهو مطالب بأن يحمي مساحته مهما صغرت من الذوبان في أي موج ثقافي، تلك المساحة التي يعلن فيها عن هويته وطريقته وآرائه ومبادئه التي تنبع فقط من داخله. إن القوي هو الذي لا يرضى بأن يكون مجرد نسخة مكررة من آلاف النسخ، غايته في حياته أن يشابه الآخرين، يحتمي بتقاليدهم وطريقتهم. إن القوي من يحتفي بوجوده ويظهر مبادئه التي تتصل بذاته وقناعاته.
إن القوي لا ينسحب ولا يهرب من مجتمعه، بل يصنع دائرته وظروفه، ويفرض شروطه ولا يتنازل عن رؤيته وطريقته، وهو المسيطر والمتحكم في شهواته وعواطفه، فهو يملكها ولا تملكه، فلا يغزوه الخوف أو الحذر، يؤمن بنفسه ويثق بتفرده وتميزه وبما وهبه الله من إمكانات. إن القوي هو الراضي بما كُتب له، لكنه في الوقت عينه يعتقد أن من حقه طلب المزيد، ليس طمعاً فارغاً؛ ولكنه يرى الحياة ساحة صراع، وهو مأمور بالمدافعة والمواجهة، لانتزاع مكانته وما يستحقه من تقدير.
وهذه الفئة من الناس هي الشكل الأرقى للإنسان، وبعض صفاتها مطبوعة في تكوينه وشخصيته، وبعضها يأتي بالدّرْبة والمران والتّرقي في مدارج التطوير والتحسين، وهم نجوم مضيئة في مجتمعاتهم وثقافاتهم رغم قلة أعدادهم، منهم القادة الملهمون الذين يصنعون الكيانات الهائلة، والمبدعون في مجالاتهم المختلفة، ومنهم التجار العصاميون الذين غيروا واقعهم، ومنهم الروّاد في العلوم المختلفة الذين قادوا حركات التغيير في ميادينهم. إن الأقوياء هم قادة المجتمع والمؤثرون في خطاباته وفي تكوينه، وجماهير الضعفاء تنتظر هذا التغيير لتتبعه وتحتشد وراءه.
والقارئ لكتب التاريخ والآداب يقرأ أخبار هؤلاء الأقوياء ويتلمس خصائصهم. فالضعفاء لا صوت لهم، وإنما هم جزءٌ من كلٍ يشار إلى مجموعه، فمن أولئك الأقوياء الشنفرى الذي يقول في لاميته الشهيرة:
وَأَستَفُّ تُربَ الأَرضِ كَيلا يَرى لَهُ
عَلَيَّ مِنَ الطَولِ اِمُرؤ مُتَطَوَّلُ
إن القوة ليست تكبراً أو تجبراً أو طغياناً، وإنما هي جوهر إنساني تحتاجه مجتمعات الضعفاء وحشودهم ليقودهم في خطابات جديدة ومسارات مختلفة.