«من الضروري في الحياة أن نفقد أكثر مما نربح. البذرة لا تنبت إذا هي لم تمت. على المرء أن يحيا دون أن يكل، وأن يتطلع إلى الأمام وأن يتغذى بهذه الذخائر الحية التي ينتجها النسيان بالاشتراك مع الذاكرة»
بوريس باسترناك، رسم السيرة الذاتية
ما إن ظهرت الكتابة حتى تكفّلت النقوش والصحائف والكتب بحفظ ما تعجز ذاكرة الفرد عن حمله ونقله شفاهة إلى الأجيال اللاحقة، فكان ما لا يُقيَّد بالكتابة يضيع أو يفنى بفناء الشهود.
ومن هذه الناحية، يصح القول أن الكتابة كانت أقوى حيلة ضد النسيان.
اليوم، وعلى عكس ما كان يردده الراوي في رواية نجيب محفوظ العظيمة أولاد حارتنا، لم تعد (آفة حارتنا النسيان).
فكل شيء تقريباً بات اليوم هدفاً للتقييد والتسجيل على مستوى الأفراد والجماعات: بالكاميرا، والصوت، والنص الرقمي، والنسخ الفوري، والتخزين السحابي، والذكاء الاصطناعي.
كل خبر، الخاص والعام، كل صورة، كل منشور، كل تعليق أو رسالة قديمة، كل موقف عابر، كل خطأ قديم، كل لحظة محرجة، كل نسخة سابقة من الذات؛ يمكن أن تبقى في مكان ما ومتاحة للاستدعاء.
قديماً كانت عصور كاملة تذهب ويطويها النسيان بكل ما فيها، وبعضها قد يحظى بمؤرخ واحد يلتقط ما يبلغ إلى علمه من الأخبار والأحوال وينتخب منها ما يستطيع تقييده.
ولم تكن عملية الانتخاب والفلترة عسيرة؛ لأن المادة التي لديه شحيحة ونادرة.
افتتح هيرودوت (توفي 425 ق.م)، الذي يُلقب بأبي التاريخ، كتابه العظيم (التواريخ) بقوله: «هذه أبحاث هيرودوت الهاليكارناسي كتبها ليبقى ذكر أفعال الرجال حياً ومآثر الإغريق والبرابرة وأعمالهم المجيدة خالدة، وهدف منها توثيق أسباب النزاع بينهم». (تاريخ هيرودوت، ترجمة عبد الإله الملاح، ص29)
وفي القرن الرابع الهجري، أسند المؤرخ المسعودي إلى الكتابة التاريخية، وإلى الكتابة بشكل عام؛ عدداً من الفوائد والوظائف والمهام، فهي فعل (تقييد) للأخبار وللخواطر، أي للملاحظات ونتائج النظر والتأمل في الحوادث والأعمال ومصائر الإنسان.
ومن دون هذا التقييد لا علم، ولا نمو عقلي، ولا تطور أخلاقي، ولا انتقال إيجابي في سلم الحضارة، وإنما دورة حياة طبيعية تكرر نفسها.
يقول المسعودي: «ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر لبطل أول العلم وضاع آخره، إذ كان كل علم من الأخبار يُستخرج، وكل حكمة منها تُستنبط، والفقه منها يُستثار، والفصاحة منها تُستفاد، وأصحاب القياس عليها يبنون، وأهل المقالات بها يحتجون، ومعرفة الناس منها تؤخذ، وأمثال الحكماء فيها توجد، ومكارم الأخلاق ومعاليها منها تُقتبس، وآداب سياسة الملك والحزم منها تلتمس». (المسعودي، مروج الذهب، ج2، عن فضل علم الأخبار)
قبل المسعودي بقرن، كان الجاحظ يؤكد أن الكُتب والكتابة أبلغ في تقييد وحفظ المآثر من البنيان والآثار المادية.
ففي كتاب الحيوان يقول: «والكتب أولى (في حفظ آثار الملوك والأمم) من بنيان الحجارة وحيطان المدر؛ لأنّ من شأن الملوك أن يطمسوا على آثار من قبلهم، وأن يميتوا ذكر أعدائهم، فقد هدموا بذلك السبب أكثر المدن وأكثر الحصون، كذلك كانوا أيّام العجم وأيّام الجاهليّة. وعلى ذلك هم في أيّام الإسلام، كما هدم عثمان صومعة غمدان، وكما هدم الآطام التي كانت بالمدينة، وكما هدم زياد كلّ قصر ومصنع كان لابن عامر، وكما هدم أصحابنا بناء مدن الشامات لبني مروان».
وفي رسالة (المحاسن والأضداد)، يعيد الجاحظ ذات الملاحظة: «وتصنيف الكتب أشد تقييداً للمآثر على مر الأيام والدهور من البنيان، لأن البناء لا محالة يدرس، وتعفى رسومه، والكتاب باقٍ يقع من قرن إلى قرن، ومن أمة إلى أمة، فهو أبداً جديد، والناظر فيه مستفيد، وهو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير».
وهكذا يلتقي هيرودوت والمسعودي والجاحظ في التأكيد على أن الكتابة وسيلة لحفظ التجارب والمآثر والمعارف من الضياع والنسيان.
غير أن عصرنا، في جوانب كثيرة، تجاوز مشكلة الندرة في التقييد والحفظ إلى مشكلة الوفرة المفرطة، بسبب تنوع أدوات ووسائل التقييد والتخزين والعرض، بالكلمة والصوت والصورة والقلم والورق والنحت.
يبدو وكأن التوازن المطلوب بين الذاكرة والنسيان في طريقه إلى الاختلال.
وهذا يفرض تحديات من نوع آخر: الغربلة، والتمييز، وتطوير آليات للتحقق والتوثيق، وحفظ السياق التاريخي، وإدارة الانتباه والذاكرة، والأهم من ذلك كله: تحويل هذا الفائض من المواد المسجلة إلى معرفة منظمة تساعد على الاستنارة والفهم.
وبصراحة المسألة معقدة. نحن نسير في غابة بكر.
ما لا نعلمه هو أن للنسيان فوائد حيوية لا تقل أهمية عن فوائد التذكر!
وإذا كان النسيان، على النطاق الفردي، يحدث غالباً بالطبيعة والسليقة، ولا يحتاج إلى حثّ وتسويغ من الفلسفة والأدب، فإن النسيان والذاكرة الاجتماعيين هما ما يحتاج إلى تسويغ وتنظيم وضبط وحث.
وكان نيتشه قد نبّه إلى أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياة سليمة من دون قدرة على النسيان.
النسيان من وجهة نظره قوة إيجابية، فهو مثل الظلمة التي تحتاج إليها الحياة العضوية كما تحتاج إلى النور.
في (محاسن ومساوئ التاريخ) يتخيل نيتشه «إنساناً لا يملك القدرة على النسيان، إنساناً حُكم عليه بأن يرى في كل شيء صيرورة متواصلة». إنّ هذا الإنسان، كما يقول نيتشه، لن يؤمن حتى بوجوده الخاص، لن يؤمن بذاته؛ لأنه سيرى كل شيء وقد انحلّ إلى حركة لا نهائية من التحولات والنقاط المتغيرة. وسيغرق في هذه الصيرورة الجارفة، كأنه يعيش التطبيق الكامل لفلسفة هيرقليطس، حيث لا يبقى له موضع ثابت يقف عليه أو يقول منه: أنا.
ثم يربط نيتشه بين النسيان وبين القدرة على الفعل: كلُّ فعل يقتضي النسيان، مثلما أن كلّ حياة عضوية لا تتطلّب النّور وحده، وإنما تقتضي الظلمة أيضاً.
إنّ الإنسان الذي يريد أن ينظر إلى الأشياء فقط نظرة تاريخية، هو مثل إنسان مُنِع من النّوم، أو مثل حيوان لا يعمل طيلة الوقت إلا على اجترار الطّعام ذاته.
بل ذهب أبعد من ذلك، فقال إنه من الممكن أن يعيش الإنسان سعيداً بدون حاجة إلى الذاكرة، شأنه شأن الحيوان، لكن من المستحيل أن يعيش من غير نسيان. (نيتشه، محاسن التاريخ ومساوئه، ص15).
ويعود نيتشه إلى الفكرة نفسها في (جينالوجيا الأخلاق)، وسننقل كلامه بالنص: «ما من سعادة، وما من بهجة، وما من أمل، وما من فخر، وما من حاضر يمكنها أن توجد من دون نسيان. والإنسان الذي يعطب فيه هذا الجهاز الكابح، سيكون أشبه بمصاب بعسر الهضم، وليس أشبه فحسب، بل إنه لن (يبلغ مبتغاه) في أي شيء».
والمعنى أن الإنسان الذي يتذكر كل شيء لا يستطيع أن يتخلص من شيء تقريباً.
كل إساءة قديمة، وكل ألم، وكل انطباع، وكل تجربة، وكل فكرة؛ تظل حاضرة وتتنافس على وعيه.
لكن على الإنسان أن يتعلم متى يجب أن لا ينسى.
يقول نيتشه: «وهذا الحيوان النسّاء بالضرورة تحديداً، الذي يمثل النسيان لديه قوة وشكلاً من أشكال العافية المتينة؛ قد اكتسب الآن ملكة مضادة، ذاكرة بفضلها يتم تعليق النسيان في حالات بعينها، أي في حالات يكون عليه فيها أن يعِد (يقدم وعوداً)، ولا يتعلق الأمر هنا إذاً وبأي حال من الأحوال بمجرد قصور سلبي عن التخلص من انطباع يكون قد ترسخ، ولا هو عسر هضم بسبب وعد ملزم لم نعد نستطيع فكاكاً منه، بل إرادة عدم تخلص فاعلة، استمرار وإرادة استمرار في ما أردناه ذات مرة، أي ذاكرة إرادة حقيقية»، (نيتشه، جينالوجيا الأخلاق، ص68 و69).
والآن، إذا كان الحيوان هو المثال والنموذج الكامل لحالة العيش دون ذاكرة، فما هو المثال والنموذج لحالة العيش دون نسيان؟
نيتشه، كما رأينا، استخدم صورتين أو استعارتين لتمثيل حالة العجز عن النسيان:
- إنسان ممنوع من النوم، (في كتاب مساوئ التاريخ ومحاسنه).
- إنسان مصاب بعسر الهضم (في كتاب جينالوجيا الأخلاق).
عسر الهضم خلل وظيفي يصيب الجسد، كما أن الحرمان من النوم خلل يصيب الجسد والعقل معاً.
وإذا كان الهضم شرط لامتصاص ما يدخل إلى الجسد من طعام وتحويله إلى طاقة، فإن النوم شرط لاستعادة البدن والعقل قدرتهما على العمل.
المجتمع يحتاج من النسيان والذاكرة قدر ما يحتاجه الفرد، لكن المجتمع لا يتذكر وينسى بصورة تلقائية كما يفعل الفرد.
الانتظام الاجتماعي هو حاصل توازن دقيق بين ما يجب تذكّره وما يجب نسيانه.
وراء كل (نظام) ذاكرة منظمة، منضبطة، متحكّم فيها. وفي المقابل، وراء كل ثورة ذاكرة مضادة، متمرّدة، كما أن وراء كل فوضى وانقسام ذاكرة منفلتة، منقسمة.
الدول تنتقي من الماضي تواريخَ، وأعياداً تأسيسية، وأبطالاً، ومعاركَ، ورموزاً. هناك أشياء تُهمّش أو تُنسى أو تُعاد صياغتها.
والثورات كثيراً ما تبدأ باستعادة وإظهار كل ما حاول النظام القائم دفنه أو تهميشه.
ومرة أخرى، كان نيتشه قد ألمح في كتاب الفجر إلى أن «الحروب الكبرى التي تجري في العهود الحديثة هي نتيجة الدراسات التاريخية».
بينما قال إرنست رينان إن وجود أمّة لا يحتاج فقط إلى ذاكرة مشتركة، بل أيضاً إلى نسيان مشترك.
ويذهب رينان إلى أن تقدم الدراسات التاريخية ينطوي غالباً على خطورة تتهدد الدولة «فالبحث التاريخي يسلط الضوء بالفعل على وقائع العنف التي حصلت في بداية كل التشكيلات السياسية بما في ذلك التشكيلات التي أفضت إلى أحسن النتائج وخيرها». (رينان، من محاضرته الشهيرة: (ما هي الأمة؟)
ولم يتوانَ بيار بورديو عن ترديد الفكرة ذاتها مع شيء من التحوير، إذ يقول إن «نسيان النشوء ملازم لكل مأسسة ناجحة، فنجاح كل مؤسسة في فرض نفسها إنما يتضمن نسيان نشوئها».
ولا تكون مؤسسة ما ناجحة، كما يقول بورديو في محاضراته (عن الدولة)، إلا إذا نجحت في فرض نفسها بوصفها بديهية أو تحصيل حاصل. (بيار بورديو، عن الدولة، ص 201)
ويقول في كتاب آخر: «إن ما يظهر لنا اليوم على أنه بداهة تتجاوز الوعي والاختيار؛ كان في غالب الأحيان موضعاً لصراعات، لم يتأسس إلا بعد مواجهة بين المسيطرين والمسيطر عليهم. إن الأثر الرئيس للتطور التاريخي هو إلغاء التاريخ، وذلك بإرساله كل الممكنات الأخرى الموازية والتي تم استبعادها إلى الماضي أي اللاوعي». (بورديو، أسباب عملية، ص151)
ويردد عبدالله العروي في أحد حواراته رأياً مشابهاً، فيقول إن «البحث التاريخي الدقيق والموضوعي لا يخدم دائماً أهداف الدولة القومية، بل قد يضعفها بالكشف عن هويات غميسة. وهذا ما حصل في القرن التاسع عشر الأوروبي».
وفي مناسبة أخرى، يبيّن العروي أن «التاريخ الوطني هو ما يُروَى على مرِّ العصور مبسَّطاً منسَّقاً مقوَّماً ،ويرسخ في الوجدان؛ لا تاريخ الباحثين النقاد. هو بالضبط ما سمّاه البعض الأسطورة الذهبية والذي عبَّرتُ عنه أنا بلفظ المخزن (وهو مصطلح يطلق في المغرب على الدولة والنظام)».
ويضيف إن «للوطنية دور في المستقبل كوصي على الماضي، متعهِّد بتبليغه إلى طلائع الأمة». (العروي، استبانة، ص136 و135)
الانتخاب والاستبعاد والحذف، هذا هو ما يسمى سياسات الذاكرة.
والسؤال هو: ماذا يحدث عندما تنجح الحضارة في التغلب على النسيان أكثر مما ينبغي؟
إن عالماً لا نسيان فيه هو غير صحي تماماً مثل عالم لا ذاكرة فيه.