كرسيٌّ خالٍ يهتز ذهاباً وإياباً، في حركة رتيبة تلف الغرفة الباردة، وينذر بإيقاعه المرتعش بأثر باهت تركه ذووه خلفهم قبل قليل. لا إنسان هنا، لا حيوان، ولا حتى خيط موسيقى يملأ هذا الفراغ الموحش؛ فقط جسد الجماد الخاوي يتأرجح على وقع دقات ساعة حائط غائبة في الخلفية، مع معزوفة (تيك..تاك) متلاحقة ومحملة بالعدمية. في هذه اللوحة التأبينية، ينمحي الإنسان تماماً ليصعد الكرسي بطلاً مطلقاً على خشبة النص، كأنه كائن حي يقف في المركز، وحده من يملك أسرار الحكاية والعارف بالخيوط الخفية لما حدث.
هذا التوظيف البصري لقطع الأثاث، يتجاوز في عقلي حدود الدلالة الوظيفية الجامدة؛ ليتحول إلى نافذة تعكس وحشية الغياب، وقدرة الفراغ على تجسيد الفجيعة. من هذا المشهد الصامت، ندرك كيف طوع الروائيون والمخرجون عبر التاريخ سيكولوجية الأشياء، ليتحول الكرسي في ممرات الأدب الضيقة من مساحة عابرة للجلوس، إلى زنزانة للكبت الفكري، أو بندول يرتجف بقلق عميق، ينم عن ألم إنساني لا تشرحه الكلمات.
قطار اللامكان
يترأس الكرسي الهزاز في الأدب العالمي قائمة أكثر الأدوات الفيزيائية تجسيداً لفلسفة الحركة دون تقدم. في هذا المكان المنعزل، يبذل الإنسان طاقة روحية وجسدية هائلة ليتأرجح، يقطع مسافات وهمية في الهواء، لكنه في نهاية المطاف يظل عالقاً في النقطة ذاتها، هذا الانفصال الطوعي عن العالم يتجلى في أقصى صوره السريالية لدى صمويل بيكيت في روايته (ميرفي):
في عتمة غرفته المعزولة، يفر البطل من طاحونة المنظومة الرأسمالية ومتطلبات النفوذ والعمل، عبر طقس عجيب يربط فيه جسده العاري بنسيجه الخشبي بسبعة أحزمة جلدية، كمن يدخل محراباً مقدساً، مغلقاً عينيه عن العالم الخارجي، ويبدأ ميرفي في التأرجح العنيف كأنه يركب قطار اللامكان حتى تتلاشى حدود الغرفة، ويصل إلى حالة من غياب الوعي التام والانفصال عن العالم الخارجي، وهي المنطقة البرزخية التي أسماها بيكيت (عالم ميرفي الصغير) أو (النيرفانا العبثية). لقد تحول الكرسي هنا من قطعة أثاث إلى أداة جيومترية مقدسة تمنحه الحركة الثابتة البديلة عن هرولة البشر في دروب الحياة.
وتفسيراً لعمق هذه الأرجوحة؛ يتبدى طقس التعرية الطوعية الذي يمارسه البطل في رواية ميرفي، في رمزية تعكس رغبة الكائن البشري في التخلص من كل الأقنعة، والملابس، والتصنيفات الجاهزة التي فرضتها عليه آلات المجتمع، باحثاً عن هويته الأولى في بقعة معزولة بعيداً عن الآخرين.
بندول خشبي
وعلى الجانب الآخر من الفجيعة، توظف سوزان غراسبيل هذا البندول الخشبي في مسرحيتها (ترايفلز) كملجأ من ذنب الجريمة، فبعد أن أقدمت الزوجة المقموعة (ميني رايت) على خنق زوجها الطاغية، لم تهرب ولم تبكِ، ولكنها جلست على كرسيها الهزاز تطوي مئزرها بحركات رتيبة ميكانيكية وهي تتأرجح في الفراغ، صار الكرسي الهزاز في تلك اللحظة هو الجسر الفاصل بين الصدمة والوعي، والمنطقة الآمنة المعزولة التي تحاول فيها القاتلة استعادة توازنها النفسي المنهار، هرباً من بشاعة الجريمة ومن قيود السلطة الأبوية الخانقة التي طالما حاصرتها.
هنا تتحول حركة التأرجح الرتيبة التي تلت جريمة القتل إلى آلية دفاعية نفسية بالغة التعقيد لحماية الذات من الجنون. ففي جلوس (ميني رايت) محاولة من العقل الباطن لفصل الوعي عن بشاعة الحدث؛ إذ جعلت الروائية من ذلك المقعد الخشبي منوماً مغناطيسياً، خالقة مسافة شعورية تفصلها عن الجثة القابعة في الغرفة المجاورة، وكأن هذا الكرسي المهتز هو الإسفنجة القادرة على امتصاص الصدمة قبل أن ينكشف أمر الجريمة للعالم الخارجي.
وبالانتقال إلى فلسفة المقاومة بالحركة، فإن الكرسي الثابت في الرواية هو المعادل البصري للاستسلام والجمود، ففي النقد الأدبي للأشياء، يتحول هذا المقعد المتيبس إلى المساحة الأخيرة التي تسقط فيها الأجساد التي أنهكها التاريخ أو أكلتها العزلة، حتى يعود الجماد امتداداً طبيعياً لجسد البطل المهزوم، ومستقراً نهائياً لذاكرة لم تعد تقوى على حمل صاحبها.
كراسٍ فاقدة للشغف
هذه الهندسة الجنائزية للمقاعد تتجلى بوضوح في قرية (ماكوندو) المنعزلة لدى الكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في روايته (مئة عام من العزلة)، إذ استخدم الكراسي الخشبية الثابتة القابعة في شرفات المنازل وكأنها نحس تتبادل عليه أجيال عائلة (بوينديا) الأدوار لاستلام الخيبات واجترار الذكريات اليائسة، ليصبح الكرسي هنا آلة زمنية معطلة. وجلوس الأبطال عليه هو بمنزلة التوقيع الرسمي على وثيقة نهاية الشغف، وتسليم الراية للعزلة الحتمية التي تنهش العائلة، حيث يتحول المقعد إلى محطة انتظار أخيرة لقطار الموت أو الجنون.
كرسي الغربة والمنفى
وفي تيار الأدب العربي المعاصر، وتحديداً في أدب الأزمات والتحولات وروايات الغربة والمنفى للأديب بشير المفتي؛ يعاد إنتاج الكرسي العتيق داخل الغرف بوصفه شاهداً على تآكل الهوية الفردية، هنا، يجلس المغترب أو المقموع سياسياً على مقعده لساعات طويلة، مراقباً العالم والمدينة الحديثة من وراء نافذة زجاجية، دون أن يملك القدرة على الخطو نحوها، الكرسي الثابت في هذا السياق يصبح رمزية للمنفى الداخلي، وزنزانة اختيارية توثق عجر البطل.
وبالغوص في رواية (أشياء ليست في مكانها) لبشير المفتي، يتجسد بطل شاب وجد نفسه فجأة مقتلعاً من جذوره، نجا بجسده من ويلات الحرب وضراوة القمع، ليرتمي في صقيع عاصمة أوروبية غريبة. وداخل غرفته المنعزلة يبدو الزمن متوقفاً تماماً، إذ يستيقظ البطل كل صباح لا ليصنع خطة ليومه، بل ليتجه بمغناطيسية العجز نحو كرسيه العتيق، ذلك المقعد الذي اشتراه غالباً من سوق الخردة أو وجده مهجوراً في الشقة المؤجرة، ليكون رمزاً صارخاً لحالة كائن بات هو الآخر مستعملاً وهامشياً في هوامش الحياة الجديدة.
على هذا الكرسي، يقضي البطل ساعات طوالاً، واضعاً جبهته أو كفه على زجاج النافذة البارد، مستغرقاً في تأمل تفاصيل تافهة تدور بالخارج: ورقة شجر تهوي، عجوز يعبر الشارع المتجمد، أو ضوء سيارة عابرة ينعكس على السقف المعتم. غير أن هذا التأمل البصري في تفاصيل المدينة الخارجية ليس في حقيقته إلا رحلة غائرة نحو الداخل، حيث يستدعي عبر الزجاج ملامح بيته القديم في حلب أو دمشق، ويتحسس طيف رفاقه الذين ابتلعهم الغياب، مسترجعاً صوته الغابر حين كان قادراً على الهتاف أو الكتابة.
ومع توالي الأيام وطول المكوث، يصاب البطل بما يشبه الخرس الروحي، فيشعر واهماً أن ملامح وجهه تأخذ في التغير والتيبس، وأن لغته الأم باتت تتدلى في فمه كعضو ميت، في الوقت الذي تستعصي فيه عليه لغة البلاد الجديدة، بمشهد تراجيدي بليغ، يوثق عبر ثبات الكرسي، انطفاء الهوية والاستسلام.
الكرسي السياسي
وبالذهاب إلى السياسة الأدبية؛ ارتبط الكرسي تاريخياً بالعرش والسلطة والسيادة، فهو المادي الملموس لمفهوم المركز (The Throne)، والمساحة التي تمنح الجالس عليها شرعية الهيمنة والنفوذ، غير أن الرواية الحديثة، في قفزاتها النقدية الشرسة، مارست إسقاطاً أدبياً عكسياً؛ إذ انتزعت الكرسي من قصور السلاطين لتمنحه للمهمشين، والمنبوذين، والعابرين على رصيف الحياة، ومن خلال هذه الإزاحة البصرية، لم يعد المقعد أداة للاستعلاء، إنما تحول إلى منصة للاحتجاج، لإعادة صياغة مفهوم القوة من منظور الهامش المنسي.
تظهر هذه اللعبة السياسية للأثاث بقوة في أدب نجيب محفوظ، وتحديداً في رواية (ميرامار) التي يمكن قراءتها كصراع محتدم على مقعد السيادة، حيث تبرز الرمزية السياسية للكراسي داخل البنسيون السكندري، فالكرسي الذي تجلس عليه (ماريانا) اليونانية صاحبة الفندق يمثل مركز إدارتها لزمن قديم ومنهار، بينما الكراسي الأخرى التي يتوزع عليها الرجال: العجوز المحمل بالخيبات، الشاب الإخواني المتوجس، والانتهازي الصاعد؛ كل منهم له ميوله ونظرته، ليشكل الكرسي جغرافيا لتنازع القوى، هنا، يصبح الجلوس على المقعد تثبيتاً للموقف الأيديولوجي، بينما تعني المغادرة الغاضبة منه سقوط المبدأ، أو انكسار النفوذ أمام تحولات التاريخ العنيفة.
وفي هذا الصالون الذي يتشكل كمسرح برلماني مصغر، طوّع محفوظ الجغرافيا المكانية لتوزيع الشخوص توزيعاً سينوغرافيا يعكس ثقلهم في الواقع، إذ تعمل الكراسي هنا كدوائر نفوذ متقاطعة، لا يتحدث فيها البطل بلسانه فحسب، بل بوضعية جلوسه، وبالمسافة الفيزيائية التي تفصل مقعده عن مقاعد الآخرين. ورغم أن الكرسي الثابت يمنح الجالس عليه وهماً زائفاً بالاستقرار؛ فإن الحركة المتوترة حوله والمشاحنات التي تدور بين النزلاء تكشف أن هذا (العرش) مؤقت، وأن المركز هش وقابل للتهاوي بمجرد تغيير موازين القوى في الخارج.
وعندما يتعمد النص إلى إجلاس الشخص المقموع أو العابر في مركز الكادر الروائي؛ فإن الرواية تجبر القارئ على تبني زاوية رؤية هذا المهمش تلقائياً. الكرسي في هذا السياق يسلب عناصر القوة من صاحب السلطة الفعلي الذي قد يكون غائباً خلف الكواليس أو خارج الغرفة؛ ويمنحها طوعاً لمن لا يملك صوتاً، ليتحول المقعد إلى آلية رمزية لإعادة توزيع العدالة الاجتماعية والسياسية داخل النص الأدبي.
أخيراً..
يغدو الكرسي في الأدب المعاصر شاهداً على تضاريس التحولات الإنسانية، إذ يظل هذا المقعد المرآة التي تنعكس فيها انكساراتنا وانتصاراتنا. لقد نجح الأدباء في تحويل الخشب إلى لغة رمزية مكتملة، ومنحوا الجماد صوتاً يبوح بما تعجز الكلمات عن استيعابه، فكل كرسيّ فارغ في نص روائي، ليس إلا مساحة شاغرة لروح غادرت، أو هوية تآكلت، أو سلطة تتأرجح على حافة التاريخ، وفي هذا الفراغ الذي يتركه الجالسون، ندرك أننا شركاء في المشهد، تسافر أرواحنا إلى هناك، لتتحسس الخذلان أو النصر، لتبصر قلوبنا -دون حاجة لخطاب لفظي- قوة ومركزية هذا الجماد الذي يحمل أثقل القصص وأعمق الجراح.