مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

أثر الذكاء الاصطناعي على الصورة السينمائية

ظلت صناعة السينما منذ نشأتها عام 1895 تتابع التطور التقني شيئاً فشيئاً، اعتماداً على محاولة تحقيق الخيال وتحويله إلى واقع مرئي، لكي يعبّر ذلك الواقع المرئي عن المشاعر والأحاسيس التي يريد صانع الفيلم إرسالها إلى جمهوره. حيث بدأت الصورة بالأبيض والأسود من مستوى رديء، حتى وصلت إلى مستوى جودة عالية، وانتقلت الصورة بعد ذلك إلى الألوان، ووصلت إلى مستوى عالي النقاء والجودة، وبعد مرور مئة عام على صناعة السينما دخلت التقنيات الرقمية إلى أن أصبحت كل مراحل الفيلم تتم بشكل رقمي.
فأوجدت التقنيات الرقمية مفردات جديدة ووسائل كثيرة لتنفيذها، وهذه التقنيات قد عملت على إثراء وتحسين الصورة السينمائية، سواء من ناحية المستوى التقني عالي الجودة، وأيضاً من حيث المستوى الإبداعي والدرامي المؤثر عل أحداث الفيلم.
فالتقنيات الرقمية الحديثة وما فرضته على الصورة السينمائية من جودة عالية، كالحساسية الشديدة لأقل كم من الضوء اللازم للتعريض الضوئي الصحيح، وتطبيقات تصحيح الألوان، والمؤثرات البصرية؛ جميعها جعلت صانع الفيلم يفكر ويبتكر لتقديم محتوى درامي مختلف طالما توافرت الإمكانات لتحقيق ما يدور في خياله.
فنجد في فيلم Pleasantville وهو من إنتاج 1998 للسيناريست والمخرج Gary Ross ذلك المبدع الذي استغل برامج تصحيح الألوان الرقمية وتعديلها، ليس فقط لجودة الصورة من الناحية التقنية؛ ولكن لربط الألوان بالمشاعر، وقد فرض فرضية مرئية على المتلقي وهي ربط الألوان بالمشاعر، كما هو موضح في شكل (1)، حيث أن الإنسان المتمسك بالتقاليد لمجرد التمسك تكون حياته أبيض وأسود، وتبدأ حياته بالتلوين حين يبدأ بالتغير والاستجابة للمشاعر.
شكل (1)
وكذلك في فيلم Garfield وهو من إنتاج 2004 فإن تطبيقات المؤثرات البصرية قد قدم من خلالها المخرج القط الافتراضي الذي اندمج مع الدراما ليشعر المتلقي أنه قط حقيقي وليس قطاً افتراضياً، فكما هو موضح في شكل (2) نجد مدى التوافق بين لقطة تم تصويرها حقيقياً ولقطة أخرى تم بناؤها رقمياً، وتم دمجمهما بشكل عالٍ في التوافق ليشعر المتلقي أن كليهما لقطة واحدة.
شكل (2)
ولا شك أن الذكاء الاصطناعي قد يغير في الكثير للمنظومة الرقمية، فقبل وجود الذكاء الاصطناعي كانت كل الآلات وأجهزة الحاسوب تعمل أداة مساعدة، وتعتمد على العنصر البشري الذي يجيد استخدامها حتى تظهر بالمستوى المطلوب، أما الآن وباستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي فأصبحت الآلة تفكر وتنفذ، مما أدى إلى تأثير ملحوظ على الصورة السينمائية إيجاباً وسلباً.
ومع دخول أجهزة الحاسب الآلي منافساً أساسياً للبشر، وكذلك استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الصورة؛ أصبح هناك تهديد لعمل الفنان، حيث أصبح الحاسب يستطيع تحريك آلة التصوير بحرفية، وكذلك يقوم بتغييرات في ألوان الصورة، فأصبحت التقنيات الرقمية توفر قدراً كبيراً من الوقت والسرعة، وتعطي الفرصة لصانع الفيلم أن يبدع على مستوى عال، وأصبحت هناك وظائف أخرى في صناعة الفيلم مثل مصمم الجرافيك وغيره.
إن الصورة الرقمية الآن بعد وجود الذكاء الاصطناعي أصبحت لا حدود لإمكاناتها، وصارت الأستديوهات أصغر حجماً، حيث تتكون من خلفيات زرقاء، كما هو موضح في شكل (3)، يضاف إليها عناصر أخرى من خلفيات الديكور في مرحلة ما بعد التصوير.
شكل (3)
كما أصبحت الشخصيات الافتراضية تضاف على جهاز الحاسب، مع إضافة توافق لوني له مع المشهد الأصلي وبعض المؤثرات البصرية، ليصبح فيلماً ناجحاً يدر أرباحاً كثيرة إنتاجياً، كما هو الحال في فيلم Avatar 2009. وهناك منافسة قوية بين شركات الإنتاج السينمائي، حيث تتضمن أفلامها تقنيات حديثة يتم تصنيعها رقمياً، وبالتالي أصبح خلق الشخصية الافتراضية المتحولة في فيلم Venom 2018، أو إيجاد خدع رقمية مبهرة مثل خدع تساقط النيازك في فيلم Greenland 2020، كما هو موضح في شكل (4)؛ هو شيء أساسي من مستلزمات أي فيلم حديث.
شكل (4)
خدعة التزييف العميق Deep Fake
ومن بين الخدع المهمة في الأيام الحالية في الأفلام هي خدع إحياء وجوه الممثلين، وهذه الخدع تتلخص في بناء مشاهد سينمائية لممثلين قد ماتوا أو وصلوا إلى مرحلة الشيخوخة، ويتم ظهورهم بأعمار صغيرة، وهذه الخدعة تسمى إزالة الشيخوخة De-laging film أو خدعة التزييف العميق Deep fake، وهذه التسمية هي لبرامج خدع سينمائية لها نفس النتائج، وهو التحكم بملامح وجوه الممثلين. ومن أوائل الشركات التي استخدمتها شركة Locas Film، حين قامت بإنتاج صور رقمية لأبطال سلسلة أفلام حرب النجوم، ومنهم مشاهد الأميرة ليا (كاري فيشر)، حيث ظهرت في مشهد قصير بالرغم من وفاتها قبل التصوير، وتم دمج صورتها المصنعة رقمياً في فيلم Star wars story 2016 بشكل كما لو كان حقيقياً.
وهنا يأتي دور المتلقي في قبول أو رفض هذا النوع من الخدع، فإما أن هذه الخدع تصل إلى مستوى المصداقية المرئية المطلوبة أو يشعر المتلقي أن هذا عالم مزيف لا يؤثر في وجدانه.
ومن أمثلة التزييف العميق هناك نوع من الوسائط التي تم إنشاؤها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي غالباً ما تتكون من مقاطع فيديو يتم فيها تركيب وجه صناعي على وجه شخص آخر، مما يؤدي إلى تسجيل مقنع للغاية لشخص يفعل شيئاً لم يفعله أبداً، في حين أن الصور المولدة بالكمبيوتر ليست تطوراً تقنياً جديداً، فإن ظهور التزييف العميق وتطوير تطبيقات إنشاء التزييف العميق تم دون معدات باهظة الثمن، وقد أظهرت الأبحاث أن معظم الأفراد لا يستطيعون التمييز بين الذكاء الاصطناعي وبين وجوه حقيقية. لكن بمجرد ظهور تقنية التزييف العميق في عام 2017 باتت هناك مخاوف من أن الاستخدام الواسع النطاق لتقنية التزييف العميق يمكن أن يؤدي إلى ظهور مجتمع يفقد الإيمان بصحة وسائل الإعلام، حيث أن التزييف العميق قد يكون فعالاً في تشويه الذكريات، مما يؤدي إلى ظهور ذكريات كاذبة لأحداث لم تحدث أبداً.
وللتقنيات الرقمية العديد من الإيجابيات والعديد من السلبيات أيضاً، وبخاصة في مجال السينما، إذ تعتمد السينما على الإبهار البصري لكي تلفت الانتباه، وتخاطب المشاعر لكي تؤثر في الوجدان والقلوب، ليعيش المتلقي حالة الانغماس في الأحداث الدرامية؛ ولكن على الصعيد الآخر فإن الإفراط في استخدام الخدع والمؤثرات دون ارتباطها بالدراما الفيلمية يؤدي إلى عدم تحقيق المصداقية، فنجد أحياناً أن الجمهور يرفض الأحداث الدرامية التي لا تتعلق بالمنطق، حتى في الأفلام التي تتعلق بالخيال، فيحتاج المتلقي إلى وسائل الإقناع بالخيال وتحويله إلى واقع افتراضي.
فنجد في فيلم Terminator Dark Fate 2019 العديد من الشخصيات الافتراضية التي تتمثل في تعديل الصورة الذهنية للممثلين، فكما هو موضح في شكل (5) نجد شكل وجه أرنولد شوازنجر يختلف تماماً عن المرحلة العمرية التي يعيشها في نفس العام، ونظراً لجماهيريته الشديدة فقد تقبل الجمهور الشكل المزيف لوجهه الذي يبدو أكثر شباباً.
شكل (5)
قائمة مظاهر الصورة Look up Table
دخلت التقنيات الرقمية في عملية تصحيح الألوان أواخر القرن الماضي، وقد تغير اسم تلك العملية إلى عملية تعديل الألوان Color grading، حيث تنافست الشركات المنتجة لبرامج تعديل الألوان في التحكم في كل أجزاء وتفاصيل الصورة وإمكانية التغيير في كل جزء من الصورة السينمائية على حدة دون حدوث أي تغيير في باقي أجزاء الصورة. وتطورت برامج تصحيح الألوان شيئاً فشيئاً لتسهيل عمليات التنفيذ على مصححي الألوان، كما أنها وفرت العديد من المظاهر الفيلمية المختلفة التي تتيح اختيارات كثيرة لصانعي الأفلام تناسب الطبيعة الدرامية للعمل الفني، ففي كل تطبيق من تطبيقات تصحيح الألوان العديد من الأشكال ذات المظاهر المختلفة التي تختلف بشكل كلي عن مظهر الصورة الناتج من المعمل الكيميائي التقليدي، وكذلك أتاحت الأدوات المختلفة لعمل التوافق Matching بين لقطات الفيلم والتي دائماً تستهلك المزيد من الوقت لإتمامها.
شكل (6)
فكما هو موضح في شكل (6) نفس اللقطة يمكن تعديل ألوانها بأشكال مختلفة، فنجد في يمين الصورة يظهر اللون مائل للذهبي مع تباين عالٍ بين مناطق النصوع ومناطق الظلال، وهذا على عكس يسار الصورة حيث يظهر اللون أزرق مع وجود تباين ضوئي متوسط، وهذا يمثل التطور الذي تم إدراجه ببرامج تعديل الألوان لتوفير أنماط وأشكال جاهزة ومختلفة تتيح لصانعي الأفلام الاختيار الأمثل والسريع بما يناسب دراما الفيلم.
تعمل أنظمة تعديل الألوان المدعومة بالذكاء الاصطناعي على الاستفادة من خوارزميات التعلم الآلي لتحليل وفهم العناصر المرئية للفيلم، وعادة ما يتضمن تعديل الألوان تعديلات يدوية يقوم بها فنانو تلوين ماهرون لتعزيز الجماليات المرئية للفيلم، وباستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن للخوارزميات تحليل كميات هائلة من البيانات، والتعلم من أنماط درجات الألوان الحالية، وتطبيق التعديلات تلقائياً لتحقيق المظهر المطلوب مما يسمح لصانعي الأفلام بتجربة أنماط مختلفة بسرعة.
يمكن لهذه الأنظمة اكتشاف وتتبع الوجوه والمناظر الطبيعية تلقائياً واتخاذ القرارات بناءً على وجهة النظر الإبداعية المطلوبة، من أداة مطابقة الألوان وإعادة الإضاءة التلقائية في تطبيق DaVinci Resolve إلى Grid Warp وPerspective Tracker في BaseLight وحتى أداة FireFly AI من Adobe. قدمت شركات برامج تصنيف الألوان أدوات الذكاء الاصطناعي على مر السنين، ثم هناك أدوات تلوين قائمة بذاتها تعمل بالذكاء الاصطناعي مثل ColourLab AI وFyim AI وغير ذلك من الأدوات التي توفر تعديل الألوان، ومطابقتها مع لقطات أخرى.
اعادة تحسين الوجه Face Refinement
أحد تأثيرات الذكاء الاصطناعي المفضلة DaVinci Resolve وهو من أكثر تطبيقات تصحيح الألوان شيوعاً، لتحسين الوجه، حيث تعمل هذه الأداة على تحسين البشرة بشكل سريع وبخاصة منطقة تحت العين، وتعزيز العيون وزيادة التباين فيها، كما هو موضح في شكل (7)، وأيضاً السماح بإعادة إضاءة وجه الهدف بشكل دقيق إذا وجب الأمر.
شكل (7)
فعند استخدام تطبيق Face Refinement ResolveFX فأولاً تقوم الأداة بتحليل الوجه، ثم تقوم بتتبع الخطوط العريضة له كما هو موضح في شكل (8)، مما يسمح لك بضبط ميزات الوجه بشكل مستقل عن باقي الصورة.
شكل (8)
القناع السحري Magic Mask
القناع السحري بمجرد تفعيله على مشهد ما، يتطلب من المستخدم رسم حد أو خط لتحديد موضوع واحد أو أكثر لتتبعه طوال اللقطة، حيث تحاول الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تتبع الموضوع المحدد طوال المقطع، كما هو موضح في شكل (9)، وعزله تماماً لإجراء أي تعديل فيه دون باقي الصورة.
شكل (9)
فعلى سبيل المثال، يمكنك اختيار عزل مناطق محددة للغاية من موضوع ما، مثل جلد البشرة المكشوف فقط، والملابس فقط، وما إلى ذلك، ويمكنك حتى أن تكون محدداً مثل القبعة أو الأحذية، فلقد وفرت الكثير من الوقت في حين أنه من الممكن تحقيق نفس الهدف يدوياً باستخدام أدوات تطبيق Resolve الأمر الذي كان قبل ظهور الذكاء الاصطناعي يستهلك الكثير من الوقت، إلا أن وجود جهاز كمبيوتر يقوم برفع الأحمال الثقيلة هو أمر استفاد منه الكثير من مصححي الألوان.
إزالة الأشياء Object Removal
لنفترض أننا نعمل في فيلم يتحدث عن حقبة تاريخية قديمة، حيث يكون الإنتاج حريصاً على تجنب أي شيء حديث يتم تصويره، ولكن أثناء التصوير لالتقاط كل شيء بأكبر قدر ممكن، فيتم ارتكاب بعض الأخطاء الصغيرة مثل تسلل ميكروفون إلى المشهد أو وجود شيء على الأرض الخضراء كما هو موضح في شكل (10) ونريد إزالته من إطار الصورة.
فمنذ عدة سنوات مضت، كان هذا النوع من المشاكل يصبح تلقائياً وظيفة المؤثرات البصرية، ولكن مع تطور تطبيقات الألوان لدينا بواسطة الذكاء الاصطناعي، هناك مجموعة متنوعة من الأدوات التي تتيح لصانعي الأفلام القدرة على إجراء إزالة الكائنات أثناء عملية تعديل الألوان، بدلاً من الحاجة إلى عملية منفصلة تماماً.
شكل (10)
فكلما تطورت التقنيات الرقمية أعيد توزيع المهمات، حتى يخرج الفيلم بشكل سليم، ولا شك أن التعلم الذكي للآلة قد أتاح مساحة وفيرة للمبدعين السينمائيين، وعملية تعديل الألوان لها مهمات تقنية ومهمات أخرى إبداعية، فكلما كانت هناك مهمات تقنية يتم إنجازها اعتماداً على الذكاء الاصطناعي كان هناك المتسع من الوقت والجهد للإبداع في الجو العام للصورة.
ولا بد من فهم إمكانات الذكاء الاصطناعي والوعي به جيداً من قبل صانعي الأفلام حتى يتسنى لهم تأليف موضوعات يتوافر تحقيقها بالشكل الأمثل. وننصح بعدم الإفراط في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير فينجذب نحو الإبهار البصري الذي يفصل المتلقي نوعاً ما عن الدراما المطلوبة. ولا بد من متابعة المهام التي ينجزها الذكاء الاصطناعي نظراً لأن العقل البشري ما يزال هو سيد الاختيار طبقاً لطبيعة الفيلم.

ذو صلة