مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

إدوار الخراط وجيل الستينات مجرد مغايرة أم تجريب ومغامرة؟

ظاهرة جيل الستينات
جيل الستينات في الأدب هو جيل الطموحات بكل ما يحمل من آمال التجديد والعبور نحو ثقافة جديدة وإبداع جديد، في أعقاب مرحلة مفصلية بعد ثورة 1952، وفي الوقت ذاته هو جيل انكسارات شهد نكسة 67 التي أتت لتحطم الحلم المعنوي والمادي، وتشكل وعياً درامياً ونفسياً بكل ما كان يحدث من مخاضات للهزيمة وتقاطعات مع الحلم المشروع، ليتبنى على أنقاض النكسة فكراً أكثر رغبة في التحرر مع مرارة الانكسار، لتتخذ الكتابة والفن عموماً من خلالهم أبعاداً تجعل منهم سدنة العصر الجديد، وحاملي لواء الإبداع والثورة على المفاهيم القديمة، فنرى منهم من تمسك بتلك الفكرة التي تحوَّلت إلى اتجاهات ثقافية وإبداعية مهمة، ومنهم من تفرَّغ للصراع مع الآخرين من أجل حيازة صدارة المشهد (بشهادة العديد من كتاب ونقاد المرحلة) ما شكَّل فيما بعد وعياً غريباً جديداً باقتصار فكرة المجايلة عند فترة ربما همَّشت/ أقصت إلى حد كبير ما أتى بعد هذا الجيل من أجيال ربما ضاع أثرها في المقارنة مع تلك الحقبة الستينية.
فهل توقَّف هذا المصطلح عند أبناء هذا الجيل، وانقرضت الأجيال أو ملامح المراحل التالية له، وصارت مسخاً أو استنساخاً له؟ ذلك الرفض والقمع المتبادل فيما بين هذا الجيل والجيل الذي سبقه، وما أتى بعده من أجيال، والذي دفع بكاتب متجدد متمرد هو (محمد حافظ رجب) من أصحاب المغامرة لأن يطلق صيحته الشهيرة: (نحن جيل بلا أساتذة)، لتعمِّق من تلك الهُوة الصادمة/ الفجوة التي تجعل التلاقي صعباً مع جيل يعتبر أنه بلا آباء، وإن كان يمارس التجريب والمغامرة بواقع أقوى بكثير مما سبقه، وربما ما بعده.
الحساسية الجديدة
في الواقع هناك بعض التجارب الفنية شديدة الخصوصية تميز هذا الجيل/ الجبل الراسخ من قامات إبداعية كسرت حاجز الواقعية الاجتماعية إلى الواقعية النفسية والأسطورية والرمزية والفلسفية والميتافيزيقية، وربما كان النموذج الأبرز لذلك التوجه هو الكاتب الإسكندري (إدوار الخراط) الذي ربما مزج بين الوعي التشكيلي والوعي الأدبي والفكري، والشكل التعبيري الجديد المتمخض عن صراعات داخلية للنفس البشرية ممتزجة بإيقاع لغوي تشكيلي مغاير، ليطلق فيما بعد 67 ما أسماه بالحساسية الجديدة، أو الكتابة عبر النوعية، وينشئ مجلة جاليري 68 التي احتضنت إبداعات الرواد من هذا الجيل، وهو الذي جاءت نصوصه السردية مطعمة بهذا المزج والحس الباحث عن المغايرة منذ مجموعته القصصية الأولى (حيطان عالية) في 1959 منتمية بامتياز إلى هذه الحقبة، وتلك الرغبة في التجاوز والتحول من التقليدي إلى غير التقليدي الممتزج بالفن، ثم أتبعها بمجموعته القصصية الثانية (ساعات الكبرياء)، وحصد بها جائزة الدولة التشجيعية عام 1972 وعبرت عن خفايا الذات المتخبطة في دروب حيرتها، والتي ربما كانت تعبيراً وتجسيداً لأعقاب نكسة شكَّلت وجداناً مغايراً وصدمة على كل المستويات. وربما بدت إلى حد كبير فيها سمات الحس التشكيلي في الكتابة القصصية كملمح من ملامح براعة اللغة في الوصف والتشكيل الفني، كما في قصة (البرج القديم):
«في اللحظة التالية كانا معاً، تحت الماء، في الترعة العكرة السمرة، وقد انعقدت الظلال وبقع الفضة السائلة معاً، واندمجت، وتقلبت في اهتزاز الموج البطيء، والماء قابض وضحضاح، والأرض تميل تحت جسميهما، لا تكاد لزجة رملية، ويشبان معاً، ويخبطان بالأذرع، ولا رشاش هناك، يحتفظان بالوجه فوق الماء، يشهقان في طلب النفس، ثم يتقلبان في الماء معاً دون غرق...».
إلى أن تكتمل هذه المشهدية باللوحة التشكيلية الناطقة التي تستوعب العلاقة بين رمزين يتعانقان على شرف النجاة ليصير كل منهما قنديلاً للآخر في حالة بحثه ووجوده. ربما أدت إلى حالة من الغرق المعنوي الموازي للغرق الحقيقي والتخبط داخل الذات الإنسانية، مع المناورة اللفظية والحسية عبر فقرات نص كاد يكتمل بنقصانه أو بوحدته ليعبر عن رؤية عبثية بشكل غير مباشر.
«تدفعه ليلتصق بكل استدارة فيها، ويطفوان معاً، في تموج متماسك، متمددين يحملهما الماء دون جهد، ولا يخرجان فوق سطحه، والماء قد انحسر بجلبابها الطويل عن ساقيها المستديرتين اللامعتين من البلل، في لحمها، تحت يديه، بضاضة جديدة طازجة تومض في عتمة الماء».
هذه المشهدية السردية المغايرة تسبر غور النفس من أعماقها بهذا التمثل الرمزي الفني، وبمفردات منتقاة تصاحبها دلالات ورؤى خاصة باللغة المندمجة بالتشكيل البصري واللوني للوحة تشكيلية ناطقة كسمة من سمات الكتابة المتشربة من مناهل كثيرة: سمعية وبصرية وحسية، وهو ما يميز التجريب والمغامرة بتلك النكهة المختلفة بعيداً عن تقليدية الوصف وحركاته المعتادة لتشكل وحدة قصصية تكاد تكون مكتملة بغض النظر عما سبقها وما تلاها من أحداث.
المغامرة الإبداعية/ التجريب
فها هو الرفض التام لقشرة خارجية كان يلعب عليها الأدب عبر الرواية، بتمثيلها للواقع الاجتماعي التقليدي بحذافيره، وها هو الرفض يكتمل في سياق آخر، نفسياً وفلسفياً أتت به روايته الأولى (رامة والتنين) 1980 وقد تجلت ملامح المغامرة الإبداعية/ التجريبية فيها على مستوى الشكل والمضمون الثري الذي يحاول سبر الغور من خلال التعبيرية اللفظية والرمزية والتقنيات السردية والتنوع فيها على مستوى الشكل المرئي الذي تقدمه، والمضمون النفسي والفكري الذي تعالجه، كاتجاه مختلف من اتجاهات السرد في الرواية العربية بشكل عام، وبحيث يستقي الفن الروائي من تقنيات الفن القصصي، وأيضاً من الوعي التشكيلي المتجذر في الكاتب/ الفنان، وهو ما يجعلها عناصر وحقول للتجريب:
(والرواية تنقسم إلى أربعة عشر فصلاً يحمل كل منها عنواناً خاصاً به له دلالته، وهو شيء أساسي لتحرير النص من العزلة والإبقاء على مكوناته متماسكة ودالة وإيجابية، وكل فصل من الممكن اعتباره قصة مكتملة قائمة بذاتها، أو جزءاً من لوحة فنية لها تشكيلاتها وقضاياها ورؤاها).
مما يدل على أهمية دور التجريب سواء بالرمز أو التشكيل أو الفلسفة المغايرة لكسر نمط التعبير السائد، والمتحجر عند صيغ معتادة، ما يحفظ للفن والإبداع طزاجتهما وحرصهما على اكتشاف مغاير للمعالجة منفتح على الدلالات وعلى العالم بنظرة مغايرة، ومحايثة لحالة سائدة وجو عام تنمو فيه علاقات وتحولات وقضايا ربما اختلفت حولها الرؤى والتفت لكي تضع معادلات موضوعية جديدة لكتابة مشبعة بحس معنوي رامز، لا يخرج عن السياق، ولوجاً إلى تقنية حوار بين الرجل والمرأة قدمت وجبة دسمة من خلفية ثقافية عريضة اختلطت فيها عناصر أسطورية ورمزية فرعونية ويونانية وإسلامية (كما تابعتها الحركة النقدية الراصدة لسمات الكتابة المغايرة آنذاك)، ليستمر في مشروعه الإبداعي، وليعاود التجربة مرة أخرى بروايته (الزمان الآخر) 1985.
الدخول في ساحة النص/ اللغة
ربما كان مصطلح/ اتجاه (الكتابة عبر النوعية) لدى الخراط دافعاً بشكل ما أو بآخر للتماس مع إشكالية سلطة النص الذي يفرض وجوده، لكي يكسب المعنى المراد من خلال الشكل، وهذه العلاقات الضمنية المضمرة، كما في (ترابها زعفران) تلك الكتابة السردية المشبعة بالصور والأصوات والألوان والروائح والذكريات وحالات صعود وهبوط تفوح من الكتابة من الأماكن التي تصلصل فيها شهوة الحياة وشهوة الكتابة، والتي أطلق عليها سمة النصية أو مجموعة النصوص التي يربطها رابط ضمني يتوزع بين مرابع المكان وحقب الزمان المتوحدة في حدها النفسي والمعنوي المشبع بتلك التفاصيل حيث: (سلطة النص تقوم على قدرة النص الأدبي على تحقيق معنى ما، يتمتع بقدر من الإلزام ويقبل التثبيت، ولو بصورة مؤقتة).
وهو اتجاه ربما نما في الحقبة الستينية وترعرع فكرياً حداثياً، فالخراط في هذا العمل وفي أعمال أخرى ينفعل تأثيرياً بسمة نصية جعلته ينتهج سلطة النص في التعبير عن هويته، وفي هذا ذكاء كبير، حيث يندفع في اتجاه تعبير لغوي يتراوح بين السرد الحميم للمكان ودواله ورموزه الدالة على مناطق حيوية في حياة السارد، كي يخرج به إلى عوالم خفية جديرة بالرصد والتحليل، ولعل الانهماك والاندماج فيها لهو مما يؤدي إلى حالة إبداعية تتلاقح فيها كل وسائل التعبير لتكتمل الحالة الروحانية المتصاعدة، لتلتبس بالحسية المجاورة لها، عبر غواية التفاصيل لتصنع مزيجاً من الحواس لكتابة تمتاز بقدرتها على العزف على الأوتار، ليقترن الحلم بالحقيقة في غالب الأحوال لينتج حالة شعورية متفلسفة تحتفي بدقائق الوصف والتفاصيل دلالة على التوحد الشديد بحالة الحكي وما تثيره في الذات من اندلاع الوجدان، فهو يدخل في ساحة النص/ اللغة كالداخل في مساحة الجذبة أو البراح الذي يثير دائماً التطلعات إلى المزيد من الانعتاق والتحرر من ربقة الحالة الآنية: «مياه كثيرة لا تغرق عشقي، والسيول لا تغمره، صخرة ناعمة الحنايا أنت في قلب الطوفان، سفوحها ناعمة غضة بالزروع اليانعة بالسوسن والبيلسان، ترابها زعفران، خصب وحي، ترف عليه حمامة سوداء جناحاها مبسوطتان حتى النهاية، لا تكف رفرفتها في قلبي».
فهو، السارد/ الكاتب/ الفنان... في مغامرة دائمة مع اللغة الممغنطة للنص في انتظار ما تسفر عنه هذه المقامرة باللغة وبالشعور وبالحس الأيروسي بتوحده الروحاني مع المكان وتفاصيله. ذلك المكان المرموز إليه بترابها زعفران، والذي يتحول إليه العشق، كامرأة بالغة الفتنة والاشتهاء روحاً وجسداً، وهي الإسكندرية أيقونة عشقه التي يقول عنها في معرض تقديمه لنوع آخر سردي أسماه (الكولاج الروائي)، المستمد من فكرة تجميع الفن التشكيلي/ موزاييك تتلاقى فيه عناصر متعددة متجانسة، وفي أعلى درجات التفاهم والانسجام: «الإسكندرية عندي هي نفسها الفعل الروائي، بمعنى ما، هي قوة فاعلة، وليست مادة للعمل ولا مكاناً له. والمأمول أن يفضي هذا الكولاج النصي في تجميعه الخاص إلى تكوين صورة جديدة ومتباينة الظلال والدلالات لإسكندريتي، مدينتي التي أعرفها وأصونها في قلبي، وأعشقها عشق التدله، والتي ترابها زعفران، حلم وتراث عريق وساحة للحب، والكد، ومساءلة المجهول، في وقت معاً».
فانظر إلى أثر جديد من آثار المغامرة والتجريب والسفر في متاهات المزج بالألوان، يعتمد عليها الفنان الروائي والتشكيلي في لحمة بديعة لا ينفصل فيها الشكل عن المضمون ولا الروح عن جسد تلملم الروح نثاره، كسمة من سمات كتابة الستينات، لتعمل الكتابة على رأب الصدع الإنساني كمعيار جديد وانتصار لها على حقبة ترسبت فيها الكثير من شجون ربما كان الإبداع الجديد الفارق، عوضاً عنه لهذا الكاتب/ الفنان/ الظاهرة.

ذو صلة