مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

المكان حيـن يكتبه روائي السعودية في مرآة الطيب صالح

قلّ أن يكتب روائي عن مدينة بعين المسافر وحدها، فالروائي الحقيقي يعيد اكتشاف المكان، ويمنحه حياة أخرى بالكلمات. هكذا فعل الأديب السوداني الكبير الطيب صالح (1929-2009) في انطباعاته عن المدن السعودية، لم يدوّن مشاهدات عابرة، بل قدّم قراءة إنسانية وجمالية وثقافية لمدن رأى فيها أكثر من عمران وحداثة، رأى تاريخاً حيّاً، وروحاً نابضة، وذاكرة تتجدد.
الرياض.. حداثة لا تقطع صلتها بالجمال
بدأ الطيب صالح الكتابة بالعاصمة السعودية (الرياض) منذ اللحظة الأولى لوصوله إليها، وكأنه يريد أن يقول إنّ المدن تُقرأ من بواباتها. لذلك استوقفه مطار الملك خالد في مدينة الرياض، لا باعتباره مرفقاً للنقل، وإنما بوصفه إعلاناً مبكراً عن شخصية المدينة. وصفه الطيب صالح بالفضاء المفتوح على الأفق، البعيد عن ضيق المطارات المغلقة، ورأى في تصميمه نموذجاً ناجحاً للمزاوجة بين العمارة الحديثة واستلهام الموروث.
لم يتوقف الطيب صالح عند الجانب الوظيفي، بل التفت إلى التفاصيل الفنية، اللوحات الجدارية، والشلالات الداخلية، والنباتات، والإضاءة الهادئة، وكلّها عناصر صنعت لديه إحساساً بالرحابة والسكينة. ثم انتقل إلى المدينة نفسها، فكانت الشوارع الواسعة، والعناية الواضحة بزراعة النخيل والأشجار، تلفت نظره، في إشارة إلى مشروع عمراني يوازن بين التنمية والجمال.
جدة.. مدينة الثقافة والبحر
إذا كانت الرياض تمثل في نظر الطيب صالح صورة الحداثة العمرانية، فإنّ جدة تمثل فضاء الثقافة والانفتاح. فمنذ أمسيته في نادي جدة الأدبي (1992)، لاحظ أنّ المدينة لا تستقبل ضيوفها بالمجاملات وحدها، بل بمنظومة ثقافية راسخة. ورغم تواضعه وإقراره بأنه لم يأت بجديد، فإنه وجد من مثقفي جدة وأدبائها احتفاءً يعكس تقدير المدينة للفكر والأدب.
امتد وصف الطيب صالح إلى جدة نفسها، المدينة التي التقى فيها البحر بالسماء في مشهد رآه من أجمل ما عرف من أجواء، بينما بدا كورنيشها وأحياؤها وأسواقها متلألئة كقطعة من الألماس في دفء الصباح.
جدة، في نظر الطيب صالح، ليست مجرد مدينة ساحلية جميلة، إنها بوابة الحرمين الشريفين، ولذلك نظر إليها على أنها محطة تكتمل قيمتها بما تقود إليه من رحلة روحية نحو مكة المكرمة والمدينة المنورة. استحضر فيها التحول الكبير الذي شهدته الطرق والمشاعر المقدسة، مشيداً بما أُنجز فيها من توسّع وخدمات يسّرت وصول ملايين المسلمين إلى الحرمين الشريفين.
من السنن الحميدة التي استوقفت الطيب صالح في مدينة جدة، استمرار المجالس الأدبية الخاصة، مثل (اثنينية) عبدالمقصود خوجة التي كان واحداً من ضيوفها المكرّمين في عام 1992م و(ثلوثية) محمد سعيد طيب. وعدّها استمراراً لتقليد عربي أصيل كاد يندثر، إذ تجمع هذه المجالس الأدبية والصوالين الثقافية أطيافاً مختلفة من المجتمع حول الفكر والأدب والحوار، في صورة تعكس مكانة جدة بوصفها مدينة منفتحة العقل والقلب، تحتضن الثقافة قبل أن تكون مركزاً اقتصادياً.
مكة المكرمة.. مدينة تبدأ من الداخل
حين وصل الطيب صالح إلى مكة المكرمة، تخلّى عن لغة الوصف المباشر، وكتب تأملاته الفلسفيّة والوجدانيّة، فرأى أنّ مكة ليست مدينة يدخلها الإنسان كما يدخل سائر المدن، بل تجربة روحية يغوص فيها إلى أعماق ذاته. يقول، في معنى كلامه، إنّ الداخل إلى مكة لا يبحث عن المدينة في شوارعها وأسواقها، وإنما يبحث عنها في ذاكرته وإيمانه وصوره الداخلية.
فمكة في ظاهرها، تبدو مكاناً تحيط به الجبال، وتزدحم فيه الطرق والأسواق والناس الذين يمارسون حياتهم اليومية كأيّ مدينة أخرى. لكنّ هذا المشهد المادي لا يظهر حقيقتها، فالمكان يكتسب قيمته من الذاكرة المقدّسة التي يحملها، وليس من التضاريس وحدها.
استحضر الطيب صالح قصة السيدة هاجر ورضيعها إسماعيل عليه السلام، فرأى أنّ هذا الوادي الجاف شهد لحظة إنسانية خالدة، هرولة أمّ تبحث عن الماء، وصرخة طفل، ثم تفجّر زمزم، قبل أن تتجه أفئدة المؤمنين إلى هذا المكان ويُرفع فيه البيت الحرام.
من هذا الحدث المؤسّس انتقل الطيب صالح إلى حدث آخر غيّر مجرى التاريخ، بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكأن مكة شهدت ميلاد نبعين متصلين: نبع الماء الذي أنقذ الحياة، ونبع الرسالة الذي أحيا القلوب. ولهذا لا تبدو مكة عند الطيب صالح مجرد مدينة مقدسة، بل نقطة التقاء التاريخ بالوحي، والإنسان بالإيمان، والمكان بالخلود.
إنّ زائر مكة، في نظر الطيب صالح، لا يخرج منها وقد رأى مدينة فحسب، وإنما يخرج وقد أعاد اكتشاف نفسه، لأنّ المكان هنا لا يُقرأ بالعين وحدها، بل يُدرك بالبصيرة، وتستعاد فيه ذاكرة البشرية المؤمنة منذ قصة إبراهيم وهاجر وإسماعيل، وصولاً إلى بعثة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.
المدينة المنورة.. حيث يصير التاريخ حاضراً
في المدينة المنورة تتغير نبرة الطيب صالح، وتصبح أكثر هدوءاً وتأملاً. فهنا لا يصف الأبنية ولا الشوارع بقدر ما يصف الأثر الذي تركه المكان في القلب.
سار في طرقاتها، شعر أنّ الأذان ليس مجرد صوت يخرج من المآذن، بل نداء يمتد عبر الزمن، يحمل ذاكرة الإسلام الأولى. ويبدو الزحام في المسجد النبوي، في وصفه، حالة من السكينة الجماعية، زحام مطمئن يخلو من الفوضى، ويدخل في هدوء كما يدخل الخيط في نسيج الثوب.
تقود المدينة المنورة الطيب صالح إلى استحضار سيرة الصحابة، فيتساءل عن بيوتهم وآثارهم: أين كانت دار سعد بن عبادة؟ وأين كانت دار عليّ بن أبي طالب وحمزة بن عبدالمطلب؟ أين كان يسكن أبو عبيدة وخالد وعكرمة؟ يستعيد كلمات عبدالله بن عمر وهو يتحسر على زمن النبوة، ليؤكد أنّ المكان مازال قادراً على إحياء تلك الذاكرة في وجدان زائريه.
ويختم مشهده بالتأمل في وجوه الناس، وأنّ اختلاف ألوانهم وألسنتهم لا يلغي وحدتهم، إذ يتجه الجميع إلى مقصد واحد، وتبدو عليهم طمأنينة يندر أن يجدها الإنسان في مكان آخر.
الطيب صالح.. قارئاً للمدن
لهذا تبدو المدن السعودية في كتابات الطيب صالح كائنات حية، لكل منها روحها الخاصة ورسالتها المميزة، فالرياض تجسد حداثةً تتآلف مع الجمال، وجدة تمثل مدينة الثقافة والانفتاح والضيافة، والمدينة المنورة تفيض بسكينة تستحضر التاريخ في كل خطوة، أما مكة المكرمة فتتجاوز حدود المكان لتغدو تجربةً روحية يغوص فيها الإنسان إلى أعماق ذاته، حيث يلتقي التاريخ بالوحي، والذاكرة بالإيمان.
لم يكن إعجاب الطيب صالح منصباً على التطور العمراني وحده، بل على الإنسان الذي صنع المكان، والثقافة التي تمنحه معناه، والتاريخ الذي ظل حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، والروح التي جعلت بعض المدن أكبر من جغرافيتها وأوسع من حدودها. من هنا جاءت كتاباته عن المملكة شهادة أديب رأى في مدنها فضاءاتٍ تتجاور فيها الأصالة والحداثة، ويتعانق فيها العمران مع الوجدان، حتى غدت المدينة عنده نصاً يُقرأ، وتجربةً تُعاش، وذاكرةً لا تغادر القلب، وربما لهذا السبب بقيت صفحات الطيب صالح عن المملكة من أجمل ما كُتب عنها بقلم أديب عربي كبير، فهي لا تقدّم تقريراً عن مدن، بل تقدّم شهادة محبّ رأى في السعودية أكثر من وطن يتطور، رأى فضاءً تتجاور فيه الحداثة مع الأصالة، والثقافة مع الإيمان، والإنسان مع المكان.

ذو صلة