مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

جعفر جاكسون.. يحيي الولع بأسطورة ملك البوب العابرة للأجيال

تهدف أفلام السير الذاتية لتخليد ذكرى المبدعين والنجوم، وفي كل مجال يلمع نجم شخص يحمل سمات فريدة تجعل منه أيقونة يقلدها الملايين أو يستمعون له ويقتنعون بآرائه ومعتقداته، فما بالنا لو أن الأسطورة التي يرويها الفيلم لا تزال نابضة بالحيوية عابرة للأجيال وخالدة بالفعل!
محطات حافلة عايشها أجيال وأجيال حفرت في وجدانهم إيقاعه الموسيقي ورقص معه العالم كله سواء متقدماً أو يرزح تحت خط الفقر.. لم تعرف موسيقى مايكل غنياً أو فقيراً ناطقاً بالإنجليزية أو يجهلها.. ما قدمه مايكل كان لغة عالمية عصية على التكرار أو التخطي أو التجاهل أو النسيان!
مر على رحيل ملك البوب 17 عاماً إذ رحل عن عالمنا بجسده في يونيو 2019 بينما كشف لنا الفيلم أنه لم يغادرنا بموسيقاه وفنه المميز ومع عرض فيلم السيرة الذاتية (مايكل جاكسون) في هذا العام سنجد أنه مثل نجوم كثر كانت حياته معاناة مستمرة ومأساوية إلى حد بعيد لكنه آثر إخفاء الهموم والإبحار مع الموسيقى فوق الأحزان والمرض.
يذكر الفيلم بمعاناة العندليب الأسمر مع المرض، ومعاناة أم كلثوم في الطفولة والعمل المبكر والإجهاد في سبيل كسب لقمة العيش، ورغم صعوبة الرحلة والخروج من براثن الفقر إلا أن النجم الحقيقي يعرف جيداً طريقة للوصول إلى القمة والحفاظ عليها بل وتخطيها إلى الخلود!
لذا تحتل دراسات المشاهير مكانة مهمة في العلوم الإنسانية حول تأثيرهم النفسي والاجتماعي على جماهيرهم. ووفقاً للعالم ليندبرج Lindenberg يتمتع المشاهير، بدرجات متفاوتة، بالقدرة على (تفعيل) المعايير الاجتماعية والثقافية بسبب موقعهم الاجتماعي الفريد. ويمكن للمشاهير أن يشغلوا حضوراً نفسياً ولا واعياً في حياة الناس، ليس إلى حد تغيير الطريقة التي يفكرون بها أو يتصرفون بها، إلا أنهم بالتأكيد يعززون الأفكار والمعتقدات التي يحملونها بالفعل.
أما عالم الاجتماع البريطاني ريتشارد داير Dyer فكتب أيضاً حول ظاهرة النجم وتفسيرها، (فالنجم) هو أداة تستخدمها الأيديولوجية وتتميز صورة النجم بمنطق رمزي وقبول اجتماعي، ما يمنحه مكانة استثنائية، وهي صفة لا تُمنَح لجميع الفنانين، وأحياناً يُمنَح النجم هذه الصفة إما لقربه من الجمهور أو لأنه بعيد عنهم لا يمكنهم أن يكونوا مثله!
هنا اختار المخرج تتبع تكوين شخصية مايكل الفنية وتطورها مع إبقاء الجانب الإنساني في الخلفية كومضات تصاحب مسيرة شاقة ولامعة في الآن ذاته، وما وصل إليه وأزعم أن غالبية المشاهدين اختارت مايكل أن يعاود الألق عبر جسد ابن أخيه (جعفر جاكسون).
يأخذنا الفيلم لرحلة استكشاف لشخصية ملك البوب إحدى أشهر الشخصيات في تاريخ البشرية لكن البداية جاءت بمشهد افتتاحي يستعيد كواليس استعداد (ملك البوب) لحفلته الشهيرة في ملعب ويمبلي بإنجلترا عام 1988، ليعود سريعاً بنا إلى طفولته في جنوب أمريكا مع إخوته وتعليمات الأب البطريركي الصارم الذي لا يجرؤ أحد على معارضته أو التصدي لاستغلاله، يتخذ الأب من الفقر فزاعة ليرهب بها قلوب أبنائه الصغار فيضطرون للعمل ساعات طويلة بدون احتفالات أو إجازات أعياد. وهنا يجب أن نشيد بالإضاءة والديكور وتصميم الملابس التي أعادتنا للقرن الماضي بأريحية تامة. المخرج هنا يملك أدواته ويسحر المشاهد بدون تكلف.
وكان أداء دور الأب شديد البراعة للممثل كولمان دومينجو، وكان الأم هي الداعمة الرئيسية لمايكل في كل وقت يتعرض فيه للقهر من والده كان أصعبها مشهد الضرب بالحزام حينما طلب الطفل مايكل استراحة من بروفات الحفلات. وهو ما روى عنه مايكل جاكسون في لقاءات تلفزيونية أن وحشية أبيه تسببت له في خوف مرضي أدى أنه يتقيأ كلما رأى والده حتى بعد أن أصبح شاباً.
اختار الفيلم أن يتوقف عند المحطات البارزة التي مثلت نقاط تحول وصقلت شخصية مايكل الرقيقة ليصبح أكثر صلابة، من بينها عرض فيديو كليب (بيلي جين) على قناة MTV عام 1983، كإنجاز تاريخي لأول مطرب أسود البشرة على قناة أمريكية، إلى جانب حادثة احتراق شعره الشهيرة أثناء تصوير إعلان مشروبات غازية أجبره والده على تصويره، هذه المحطة التي كشفت لمايكل أن العالم به أطفال آخرون يعانون ويرزحون تحت وطأة الألم ليعلن تبرعه بقيمة التعويض لمستشفى الحروق. برع جعفر في التعبير عن حزن عمه مايكل الدفين وشعوره بالقهر والظلم وكيف استطاع بكياسته وشخصيته الهادئة أن يحول ألمه وحنقه لفعل الخير ونشر الحب. هنا نرى الجانب الحالم والطفولي لمايكل والذي لم يعرفه الكثيرون عنه حيث يجد المؤانسة في قراءة كتب الأطفال تعويضاً لطفولته التي سرقت منه، يحلق مع (بيتر بان) ويظل يحلم بأنه يوماً ما سيكون هو إلى أن يحقق هذا الحلم ويمتلك مزرعة الأحلام (نيفرلاند).
لم يكن الفيلم بحاجة إلى بناء درامي فكل مشهد يروى دراما موجعة، فمن حين لآخر يتأمل مايكل جسده وقد ظهرت عليه آثار مرض البهاق فيحاول إخفائه عن جمهوره تارة بالقفازات اللامعة وتارة بالتجميل. ثم يأتي مشهد إحضار مايكل لقرد (بابلز) ويتبناه ليقضي معه أوقاته ويستمد منه حيويته وسط استنكار أسرته، ثم يحاول أن يغير من مظهر أنفه فيحقره والده، كان مايكل عالقاً لا يمكنه التخلص من هيمنة الأب الذكورية الصارمة، يخرج حزيناً باكياً من منزله أمام الجماهير متخفياً وراء نظارات سوداء وقبعة يواسيه حارسه الشخصي.
حركات الكاميرا كانت ذكية خصوصاً في مشاهد الحفلات حيث اللقطات البانورامية ثم زوايا قريبة تركز على الفتيات وحالات الإغماء التي كانت تحدث ولعاً بملك البوب ولقطات قريبة من وجه (جعفر) بتعبيرات مطابقة لعمه ثم ركزت على أثر مايكل جاكسون على الحشود وعبرت عن الطاقة التي كان يصنعها مايكل وينقلها لجمهوره وإن كانت لم تقل كل شيء عن هوس المعجبين به حول العالم. أما جعفر جاكسون، فقد نجح نجاحاً باهراً في تجسيد روح عمه بشكل لا يصدق وبخاصة في مشاهد الأداء الغنائي والاستعراضي ما يشي أننا أمام نجم قادم ربما يصبح رمزاً لقوة أمريكا الناعمة وامتداداً لأسطورة عمه.
أما النهاية، فجاءت مفتوحة ومفاجأة وكأننا شعرنا بفقد مايكل جاكسون ثانية، إذ تعود الأحداث إلى نقطة البداية عند حفل ويمبلي، نهاية الفيلم تعود بنا لمشاهد من حفله في لندن عام 1988 تلك التي مهدت لشهرة لا تضاهى عالمياً وسطرت مرحلة أخرى أكثر جرأة في حياة مايكل، وفي تصوري سيكون الجزء الثاني أكثر درامية حيث تبدأ علاقات مايكل النسائية وقصص زواجه من ابنة ألفيس بريسلي وزوجته الثانية وعلاقته بأطفاله والاتهامات التي طالته باغتصاب الأطفال وقد تمت تبرئته منها تماماً إلا أن بعض الأفلام الوثائقية ظلت تردد هذه الاتهامات. حياة مايكل القصيرة نسبيا(50 عاماً) إلا أنها حافلة بالأحداث والنجاحات والعمل والشغف والاتهامات والأقاويل حتى أننا كنا نقرأ في الصحف أنه ينام في فقاعة مليئة بغاز الأكسجين وغيرها الكثير.
عموماً الفيلم لا يمكن الحكم عليه من مشاهدة واحدة، فالمونتاج والتصوير واختيار فريق الممثلين وأماكن التصوير والصوت كلها ركائز أساسية في نجاح الفيلم الذي حطم أرقاماً قياسية في شباك التذاكر عالمياً، لأن الانطباع بعد أول مشاهدة هو النهم للمزيد وكأن المخرج أزال الطبق الرئيسي الشهي من أمامك، حيث إن السينما العالمية تفتقر إلى هذه النوعية من الأفلام الموسيقية الاستعراضية. مع المشاهدة الثانية ستجد روح مايكل وقد أشعلت فيك طاقته وحبه للحياة وتحدياتها.. ستصاحبك الأغاني التي عايشتها في صباك وعبرت عن مخاوفك وحبك ونجاحاتك وسوف ترغب في رؤيته مجدداً! المثير والأمر الذي يعد غاية في الغرابة هو الحالة التي أثارها الفيلم في الأجيال الجديدة التي لم تعايش نجومية مايكل بل الأمر استدعى منهم البحث ومتابعة لقاءاته وأغانيه ومقاطع فيديو عنه أو له مع عائلته ومع نجوم واشتعلت (السوشيال ميديا) عبر مختلف اللغات والجنسيات بمقاطع لقاءات وحوارات وأغاني مايكل جاكسون ولقطات من دور العرض للرقص بعد عرض الفيلم والتردد على دور السينما بملابس مايكل جاكسون وأداء رقصته الشهرية (موون ووك) ما يعد نجاحاً باهراً للفيلم. ولا شك أن الإعلان عن عرض الجزء الثاني من الفيلم هذا العام أيضاً أراح الجماهير المهووسة بملك البوب وشفع للمخرج وربما تكتمل الحكاية!

ذو صلة