يشكل التفاعل المباشر وجهاً لوجه Face to Face Interaction وبناء العلاقات الاجتماعية الدائمة بين الأفراد مكانة متميزة في المجتمع الانساني، وبالأخص قبل انتشار تكنولوجيا الإنترنت وظهور المجتمع الافتراضي، حيث إن تلك التفاعلات والعلاقات كانت تُسهم في تكوين عالم اجتماعي ترتكز عليه الذات من خلال وجود نسق من القيم والعادات والتقاليد والمعارف المشتركة، وكان لها دور لا يمكن إغفاله في الحياة اليومية.
وإذا ما حاولنا أن نستعرض ملامح التأثيرات المختلفة لتكنولوجيا الإنترنت وتطبيقاتها المختلفة وشبكات التواصل الاجتماعي، فإننا لا نستطيع إغفال تحول المجتمع من الاعتماد على الوحدة المكانية إلى وحدة الاهتمام، وكذلك تجاوز الحدود من خلال المجتمعات الافتراضية Virtual Communities حيث أصبح بإمكان الفرد الانتماء إلى جماعات اجتماعية، تتجاوز حدود الوطن ما عزز من قدرة الفرد على بناء شبكة علاقات اجتماعية تدعم طموحاته في التواصل والمشاركة والدعم.
فعلى سبيل المثال أدت التكنولوجيا إلى ظهور ما يطلق عليه (الفردية الشبكية) Networked Individualism، ويشير (باري ويلمان) Barry Wellman إلى أن المجتمع أصبح يتكون من شبكات يتوسطها الفرد ويختار روابطه بناء على الاهتمامات المشتركة عبر فضاءات إلكترونية واسعة. فالفرد الآن أصبح يدير شبكة علاقاته الاجتماعية، وهكذا فالفرد لم يعد يعتمد على جماعة واحدة ثابتة مثل جماعات الأهل، والأقارب، والأصدقاء، بل أصبح مركز شبكة من العلاقات الاجتماعية المتعددة والمتغيرة ويتواصل معها عبر الفضاء الإلكتروني، وإذا كان هذا التحول منح استقلالية كبرى للفرد، إلا أنه ألقى عبئاً ثقيلاً على الفرد في حماية هذه العلاقات وإدارتها رقمياً بشكل مستمر. فالإنترنت نجح بامتياز في ربطنا بأشخاص مختلفين عنا عرقياً وثقافياً وأسهم في تشكيل رأس المال الاجتماعي العابر bridging social capital على حساب رأس المال الاجتماعي الرابط bonding social capital.
فعلى سبيل المثال يرى (مارك جرانوفيتر) Mark Granovetter أن لدينا نوعين من الروابط وهما (الروابط القوية) (العائلة والأصدقاء والمقربون) والتي توفر الدعم العاطفي، في مقابل (الروابط الضعيفة) (المعارف وزملاء الإنترنت) والتي توفر المعلومات، فالإنترنت ساهم في تضخم (الروابط الضعيفة) على حساب (الروابط القوية)، مما جعل رصيدنا من العلاقات الاجتماعية (واسعة لكنها ضحلة).
وإذا ما حاولنا أن نحلل تأثير شبكة الإنترنت على العلاقات الاجتماعية فإنه يمكن الإشارة إلى ما أطلق عليه (زيجمونت باومان) Zygmunt Bauman مصطلح (السيولة الاجتماعية) للإشارة إلى أن العلاقات الاجتماعية في عصرنا الحالي قد أصبحت سائلة، ويقصد بذلك أن تلك العلاقات الاجتماعية أصبحت غير ثابتة وسهلة التكوين، لكن في المقابل قد يصعب استمرارها والحفاظ عليها.
ويمكن القول إن شبكة الإنترنت قد توفر اتصالاً دائماً، إلا أنها تعمق من الاغتراب الاجتماعي، فإذا كان الفرد يجلس مع الآخرين جسدياً، إلا أنه ينشغل عنهم رقمياً، وذلك لأن عقله وتفكيره في عالم افتراضي، وهذا الأمر يُشار إليه من خلال مفهوم (الحضور الغائب) Absent presence إذ يشير (كينيث جيرجين) Kenneth Gergen إلى هذا المفهوم ليصف لنا حالة الفرد في العصر الرقمي حيث يكون حاضراً بجسده في مكان ما، ولكنه غائب ذهنياً بسبب تفاعله في عالم افتراضي، فالفرد أصبح يعيش في حالة من التشتت المستمر، حيث تتيح لنا التكنولوجيا من خلال تطبيقاتها المتباينة أن نكون (هنا) و(هناك) في آن واحد.
وهكذا فلقد حلت العلاقات الافتراضية تدريجياً محل العلاقات الاجتماعية المباشرة، فإذا كانت شبكات التواصل الاجتماعي تمنحنا شعوراً بالتواصل وتكوين شبكة من العلاقات الاجتماعية إلا أنها غالباً ما تفتقر إلى (العمق العاطفي) والالتزام الموجود في العلاقات الاجتماعية التقليدية، فقد يمتلك الفرد آلاف الأصدقاء في الفضاء الإلكتروني، إلا أنه يعاني من الوحدة في الواقع المادي الذي يعيش فيه وهذا ما يطلق عليه (العزلة في الزحام).
وإجمالاً يمكن القول إن ما يحدث في عصرنا الحالي ليس تآكلاً كاملاً، بل تحولاً في شكل ونمط العلاقات الاجتماعية السائدة فيما بين الأفراد والجماعات، ويقصد بذلك التحول من العلاقات القوية والعميقة إلى علاقات أكثر اتساعاً في النطاق ولكنها ضعيفة نسبياً، بالإضافة إلى التحول من التواصل المباشر إلى التواصل الرقمي أي عبر الفضاء الإلكتروني.