يشهد العالم اليوم تحولات كبيرة، لا يمكن التنبؤ بها؛ إذ تتسارع فيه الإيقاعات بشكل ملفت. واحدة من هذه التحولات هي التحول في الإنتاج الهائل في العالم الافتراضي، وابتعاده عن العالم الواقعي، حتى أدى بصورة مباشرة وغير مباشرة إلى خلق فجوة بين هذين العالمين. وتزداد هذه الفجوة بمرور الزمن، بشكل يفوق التوقعات ويتخطى حاجز الزمن. تلك الفجوة التي لا تقاس بالكيلومترات، ولا ترى بالعين المجردة؛ أوقعت جيلاً ليس له أي ذنب سوى أنه ولد في عصر التطور والتكنولوجيا، ومازالت تتسع لتبتلع الأجيال التالية، معتبرة أن لها الأولوية في السيطرة على هذه الأجيال التي من المفترض أن تكون حاملة لشعلة تنير طرق المستقبل نحو واقع أفضل. هذا الجيل أصبح يتمزق بين ما يراه ويختبره ويعيشه بالعالم الافتراضي وبين ما يعيده لعالمه الواقعي، فهو لم يختر يوماً بأن يكون ضمن هذه المساحة، فأصبح يحتاج لكافة أساليب الدعم والمساندة، ويحتاج لتغيير العدسة التي يرى من خلالها العالم ومستقبله. إن الحديث عن هذه الفجوة ليس ترفاً فكرياً، بل حقيقة تربوية مهمة تستحق الوقوف عندها. فمن هو هذا الجيل؟ وكيف يمكن فهمه بعيداً عن الأحكام الجاهزة أو الخطابات الوعظية؟ كيف ينظر هذا الجيل إلى العالم الافتراضي، أهو مجرد فضاء ترفيهي، أم ملاذ نفسي، أم ساحة لبناء هوية وشعور بالإنجاز والانتماء؟ ما الذي قاد هذا الجيل إلى هذه الفجوة؟ وهل هي نتيجة التكنولوجيا وحدها، أم حصيلة تفاعل معقّد بين غياب الفهم، وضعف التوجيه، وتسارع التحولات؟ ما دور الأسرة والمؤسسات التربوية في سدّ هذه الفجوة؟ وكيف يمكن لها أن ترافق هذا الجيل، لا أن تراقبه أو تصادمه، من أجل إعادة التوازن بين واقعٍ لا غنى عنه، وعالمٍ افتراضي لا يمكن تجاهله؟
إن الجيل الذي نراه اليوم هو جيل ينشأ في عصر التحولات الرقمية، في عصر السرعة، في عصر البحث عن الهوية، في عصر تبدو فيه الحياة وكأنها أكثر سهولة وسلاسة، في عصر يلبي كل ما يرغب به الفرد. والسؤال الأهم هنا: كيف يمكننا فهم جيل مثل هذا يواجه كل هذا الكم الهائل، وبهذه السرعة الفائقة؟
في الحقيقة إن فهمنا لهذا الجيل لن يتحقق دون أمرين أساسيين، ويشترط توافرهما معاً، وهما: الأمر الأول هو إدراك حاجة هذا الجيل للقبول بغض النظر عن شكله أو إمكاناته، فعندما يشعر الفرد منهم بالقبول سيتولد لديه شعور داخلي بالراحة، وستعود إليه ثقته بنفسه التي من المحتمل أن يكون قد فقدها بسبب المقارنات بين العالم الواقعي والعالم الافتراضي الذي يراه خلف الشاشات. أما الأمر الثاني فهو التواصل الفعال والمستمر معهم، مما سينعكس إيجاباً على الطرفين، فيسير قارب الحياة الذي يحملنا باتزان أكبر.
لم يعد العالم الافتراضي رفاهية، بل أصبح جزءاً أساسياً في حياة هذا الجيل، إن لم تكن لديه الحصة الأكبر. فهذا العالم بالنسبة لهم هو: المتنفس والأمان والترفيه والابتكار ووقت الفراغ ووقت الانشغال ووقت التواصل ووقت الانفصال ومصدر كل معلوماتهم.. وتطول هذه القائمة لتشمل نواحي حياتهم جميعها، فتجدهم حاضرين بأجسادهم مغيبين بآذناهم. هذا أدى إلى خلق فجوة كبيرة بين عالمهم الواقعي والافتراضي، لم يخترها هذا الجيل، ولم يقررها بنفسه، فنشأته في هذا العصر من أهم وأكبر العوامل التي ساعدته في اختياره، لكنها ليست العامل الوحيد، فهنالك ما قد يكون أهم من ذلك وهو غياب الأهل في هذا الزمن، ولا أقصد هنا الغياب الجسدي فقط بل الغياب الذهني، فتجدهم جالسين في نفس الغرفة، ولكن كل واحد منشغل بعالمه الخاص. فهذا زمن له خصوصية، وضعت الأهل وهذا الجيل على محكات صعبة تفوق قدرة الطرفين على حلها.
ومن هنا أتت الحاجة الملحة لحلول لهذه المعضلة والتقليل قدر الإمكان من حجم الفجوة. وأقول هنا حلول؛ لأن حجم الفجوة كبير بقدر يسمح للكثير من الأطراف بالتدخل لسدها أو على الأقل تقليل حجمها. وسأكتفي هنا بالتركيز على طرفين أساسين، وهما الأهل والمؤسسات التربوية مثل المدارس والجامعات. والحقيقة أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الأهل كونهم النواة الأساسية في حياة هذا الجيل، فعليهم أولاً ممارسة ما يسمى بالقبول غير المشروط لكيان هذا الجيل، وبعدها التواصل الفعال والمستمر معهم وإعطاؤهم مساحة من الحرية والمسؤولية المشروطتين والمراقبتين. أما بالنسبة للمؤسسات التربوية فدورها محوري؛ لأنها قد تحل في ظروف معينة محل الأهل، فقد انتقلت من كونها مؤسسات تنقل المعرفة إلى مؤسسات تنمي مهارات الفرد، وترفع من وعيه، وتساعده على الالتزام بمبادئه، مما يسهم بصورة مباشرة وأساسية في طريقة استخدامهم للعالم الافتراضي وتكوين قناعاتهم حوله. إن التعاون والتكامل المستمر بين هذين الطرفين يعيد الاعتبار للعالم الواقعي، ويعزز الاستخدام الأمثل للعالم الافتراضي الذي بات أساسياً في حياتنا.
إن ما يواجهه هذا الجيل ليس مجرد توصيف لفجوة عابرة يمكن لها بمرور الزمن أن تختفي أو أن تضمحل؛ لكنه قراءة عميقة لأبعاد إنسانية وتربوية، حل وقتها أن تتحرك بجهود واضحة وهادفة لتنقذ جيلاً كاملاً من تلك الهوة الرهيبة، ولتنقذ مستقبلاً كاملاً سيحمل رايته هذا الجيل. والحقيقة إن الحل يبدأ من اعترافنا الحقيقي بوجود هذه الفجوة، وبأهمية تكاتف الجهود من أبرز مؤسستين لهما الأثر الأكبر في حياة هذا الجيل، وهما الأسرة والمؤسسات التربوية. ربما لم تتحرك تلكما المؤسستان بعد بالسرعة المطلوبة، ولكن لم يفت الأوان؛ نستطيع البدء من الآن، فالمستقبل مرهون بقدرتنا على استيعاب هذا الجيل وتقبل التغييرات الجذرية في طريقة تفكيرهم، بما يتناسب مع مبادئنا وثقافتنا، وبقدرتنا على توسيع نطاق تفكيرنا ليحتوي كل هذه التحولات والتي باتت عناصر أساسية في تركيبة الجيل وتركيبة مجتمعاتنا.
إن مستقبل هذا الجيل مرهون بقدرتنا على الفهم قبل الحكم، وعلى المرافقة قبل التوجيه، وعلى بناء تربية تواكب الإنسان في تعقيده، لا تختزله في سلوك أو شاشة. وعندها فقط، يمكن لهذا الجيل أن يقف بثبات بين عالمين، لا ممزقاً بينهما، بل قادراً على أن يصنع توازنه، وهويته، ومساره الإنساني بثقة ووعي.