مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

الموت على الطريقة اليابانية

كودوكوشي مصطلح ياباني للتعريف بظاهرة اجتماعية قادتها اليابان في حربها التكنولوجية الحديثة منذ أن خرجت من القنبلة الذرية، وهي (ظاهرة الموت في العزلة). نشأت هذه الظاهرة وتنامت في اليابان بعد إقرار الوضع السلمي لها عام 1945م لتكون تجربة اقتصادية تاريخية، حيث تتبوأ المركز الثالث في اقتصاديات العالم من حيث الناتج القومي الإجمالي.
هذا ما جعل ظاهرة موت الأفراد وحيدين في عزلتهم وعدم اكتشاف جثثهم لفترات تمتد لعام كامل، تتنامى لتشكل سمة أساسية من سمات المجتمع الياباني، إذ أدى التطور التكنولوجي إلى فرض قوانين على السياسة الاجتماعية لرفع مستوى اقتصاد اليابان، فإقرار الإجهاض فيها أدى إلى تنامي الشيخوخة في ظل قانون الطفل الواحد، ما جعل الأفراد المسنين (فوق 65 عاماً) يجابهون تطوراً تقنياً حقيقياً في المدن الرئيسة حيث تكتظ بالعمالة الوطنية المهاجرة من الأرياف نحو تسهيلات للتطور التقني. هذه الهجرات التي خلفت العديد من الظواهر أقرت ظاهرة الكودوكوشي وبخاصة عام 1995م بعد زلزال هانشين الذي يعد الأكثر تكلفة في التاريخ، وفقاً لسجل الأرقام القياسية، حيث توسعت الفئات التي تشملها هذه الظاهرة من 65 عاماً إلى الخمسينات والأربعينات، مع اطراد نمو الاقتصاد والتحديات المالية للأسر.
ونعود لظاهرة (الموت وحيداً)، حيث أصبحت محل تهديد حقيقي للمجتمع، فتأخر اكتشاف المتوفين في عزلتهم ظاهرة تفاقمت بأرقام قياسية بلغت 32000 حالة وفاة في اليابان عام 2009م.
ولعل وجود هذه الظاهرة أدى بالضرورة إلى إنشاء مكاتب تنظيف موقع الوفاة، أو ما بعد الموت أو ما يطلق عليه أحياناً (تنظيف الصدمات)، لتساعد الأسر بشكل منهجي ووفق جدول زمني في تجنب إغفال أي شيء أو التخلص منه عن طريق الخطأ.
وتبدأ أهميتها في تطهير شامل للمنازل وإزالة الروائح والتخلص من المتعلقات والملوثات البيولوجية.
كما يدرب أعضاؤها على اكتشاف الأشياء الثمينة سواء كانت أثاثاً عتيقاً أو مقتنيات وأوراقاً مهمة قد لا تبدو ذات أهمية ولكنها تحمل قيمة عاطفية أو نقدية.
وقد حددت هذه المكاتب نسب ازدياد هذه الظاهرة مع استجابتها لطلبات الأسر في مساعدتها على تقييم ما يمكن التبرع به أو بيعه أو حتى إعادة تدويره قبل قرار التخلص منه، فقررت كوجيما ميو، عاملة تنظيف في شركة Clean Service To Do Company الإفصاح عام 2016م عن خطورة هذه الظاهرة وانتشارها الناعم بين فئات المجتمع بقرار عمل (منمنمات) تحفظ سرية معلومات المتوفين وتظهر بذات الوقت عواملهم الاجتماعية وبيئاتهم قبل اكتشاف جثثهم فجأة.
وتحكي عن أن ظاهرة كودوكوشي لم يدركها المجتمع ولم يتعرف على خطورتها في ظل تسارع التنمية، فردود الفعل التي تلقتها حول تجسيدها لموقع الوفاة كانت مفاجأة للكثير من الذين اطلعوا على منمناتها قالت:
على الأفراد التفكر في موقع وفاة لجثث مكتشفة بعد عام كامل من وفاتها، وأنها صادفت فئات عمرية بين 50 - 60 عاماً من ضمن هذه الظاهرة حيث ترى أن هؤلاء الأشخاص دائماً ما يرون أنفسهم قادرين على العيش في العزلة، إذ يعتبرون أنفسهم صغاراً نسبياً في السن.
لذا تحث كوجيما أفراد المجتمع على أهمية التواصل وتبادل التحايا مع الجيران.
وكانت ثاني منمنماتها تحكي عن الوفاة (بالصدمة الحرارية) حيث إن تعريض الجسم للحرارة أو البرودة المفاجئة قد يسبب تمدد الأوردة وانقباضها فيؤثر بذلك على ارتفاع وانخفاض الضغط، وتحث الأفراد على الانتعال قبل دخول الحمامات وتهيئة درجة حرارة المياه لدرجة لا تتجاوز 40 درجة مع استخدام غطاء أو مقعد مرحاض مدفأ.
أما عن ثالث منمنماتها، والتي تلقت عليها اعتراضات كثيرة، حيث اعتبرتها الأكثر انتشاراً في مواقع الوفاة، وأطلقت عليها ظاهرة (الغومي يا شيكي اليابانية)، وهو مصطلح يعبر عن منازل النفايات حيث يعيش الفرد قبل وفاته في كومة نفايات عظيمة جسدتها بمنمنمات لاقت استهجاناً لدى الأفراد الذين أنكروا أن يكون المتوفى قد أحدث كل هذه النفايات والفوضى قبل وفاته بتعبيرات مثل: (أنا إنسان منظم ونظيف دائماً) أو (لا يمكن أن يحدث هذا الشيء معي مطلقاً).
فتؤكد على أهمية إدراكك لحالتك النفسية والعاطفية، حيث توعز أسباب وجود مثل هذه الظاهرة لظروف الشخص الصحية والنفسية وتجاربه المؤلمة كالانفصال أو التعرض للتحرش أو العمل المجهد للغاية أو موت حبيب أو حيوان أليف أو أنك قد تتعرض لاضطرابات عقلية، وكل هذه الحالات لا يمكننا أن نجزم حقاً أننا في مأمن من الإصابة بها.
والحقيقة أن اليابان وإن بدأت تستنجد لإيجاد حلول تساهم في موازنة اقتصادها مع الظواهر الاجتماعية المتفاقمة له، ليست الوحيدة في هذا الفخ التكنولوجي؛ إذ إن الدول المركزية مثل بريطانيا وفرنسا قد وقعتا في ظل السباق الاقتصادي بذات المشكلة فسارعت المملكة المتحدة إلى إنشاء وزارة الوحدة عام 2018م تعمل بمشاركة وزارة الرياضة والمجتمع المدني لمكافحة العزلة الاجتماعية التي تفاقمت بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وبخاصة لدى الأفراد المسنين ما فوق 65 عاماً.
وما تزال فرنسا قلقة بشأن ظاهرة الجثث المكتشفة التي لم يطلبها أحد!
فحتى اليابان المهزومة قد تقتل بصمت وبقوة اقتصادية تغزو الأسواق وتحصد أرواحاً معزولة عن مجاراة هذا الكم الهائل من الإنتاج، وتبقى طريقة الموت اليابانية دعوة صامتة لدرء مخلفات التفوق الصناعي.

ذو صلة