توطئة: ماذا لو زالت الإنترنت؟!
حتى نفترض أن الشبكة قد تنتهي يوماً ما، فعلينا عندئذ أن نتزود، فلسفياً، بالدرس الريبي الذي خلفه لنا، منذ القرن الثالث اليوناني، سكتسوس أمبيريقوس حول (تعليق الحكم) بشأن قيم الأحداث والظواهر، بحيث نقلع عن ثقتنا الدوغمائية في منتجات العلم بما في ذلك أبدية الإنترنت أو ديمومتها على الأقل، فنعلق الحكم مفترضين غيابها.
هذا الافتراض لا يعني بالضرورة، كما قد يخامر أذهان البعض، العودة إلى ما قبل الإنترنت، وإنما الأمر يتعلق في واقع الأمر بافتراض يمكن إدراجه ضمن علم المستقبليات (Futurism). فالذهاب إلى ما بعد الإنترنت ليس إياباً إلى ما قبلها، طالما أن الذاكرة البشرية قد شُحنت بما يمكن أن نعتبره منظومة أيديولوجية جديدة، (الأيديولوجيا الرقمية) حتى وإن طُمست لسبب من الأسباب. نعم، قد يُخيل لنا في هذه الحالة أن البشرية ستعيش في عالم شبيه بما قبل الإنترنت. ويمكن القول إن تخيل اختفاء الإنترنت هو بمثابة (الخيال العلمي)، لكنه خيال علمي مضاد.
***
لا يمكن أن نفترض مرحلة ما بعد الإنترنت إلا في ضوء مقارنة بما أضحت عليه الحياة البشرية في عصر الإنترنت. وفي هذا السياق، يتناول المفكر الفرنسي بول فيريليو Paul Virilio، ضمن اهتمامه بفلسفة التكنولوجيا والسرعة، الحضارة الحديثة بوصفها تعتمد على التدفق الفوري للمعلومات، كون الشبكة الرقمية يمكن أن تتعرض يوماً إلى حادث كوني يمكن أن يؤدي إلى انهيارها. ففي كتابه (القنبلة المعلوماتية) يتحدث عن احتمال الانهيار المفاجئ للنظام المعلوماتي العالمي. واستأنف ذلك في كتابه (الحادث الأصلي) حيث يطور فكرته بأن كل اختراع تقني يحمل في داخله، كما يسميه هو (حادثه الخاص). بيد أنه عندما تكون التقنية عالمية فإن هذا الحادث يغدو عالمياً هو أيضاً. وفكرته هذه معقودة على معادلة يقول بها هو نفسه: اختراع السفينة يعني إمكان غرق السفينة، اختراع الطائرة يعني إمكان سقوطها، اختراع الشبكة العالمية يعني احتمال الانهيار العالمي للمعلومات.
في حالة حدوث الانهيار قد يجد البشر أنفسهم فجأة في عالم بلا شبكات اتصال رقمية، فتهتز منظومة العمل بما تتضمنه من حلقات اقتصادية: اختلال قوى الإنتاج، اضطراب مسالك التوزيع، التشويش على الأسواق المالية. ففي كتابه (في حالة التلاشي)، يرى الفيلسوف الفرنسي برنارد ستيغلر Bernard Stiegler أن التقنيات الحديثة (الوسائط الرقمية، الأرشيفات الإلكترونية، الخوارزميات)، أصبحت تحمل الذاكرة بدل الإنسان. فيترتب عن ذلك نوع من اختفاء الذاكرة البشرية الحية أو ضمورها. فالإنسان لم يعد يحفظ أو يتذكر كما في الماضي. ولذلك يعتقد ستيغلر أن الاعتماد الشديد على التكنولوجيا قد يؤدي إلى تلاشي بعض التجارب الإنسانية المباشرة ذات الصلة بجسده كقوة عمل، فتختفي بعض المهارات التي تُعتبر من آليات الإنتاج وعلى رأسها مهارات تحويل المواد في إطار العمل.
تلاشي الذاكرة الرقمية يعني إذن، في ما يعنيه، أن البشرية وهي تُسحَب إلى الفجوة التي يمكن أن يخلفها اختفاء الإنترنت إنما يعتريها وعي مصاب بالدوار، فليس لها أن تتذكر ما كانت تعرف قبل الإنترنت وعليها أن تعيد تعلم ما كانت تعرفه في الماضي كما لو أنه اكتشاف جديد. بعبارة أخرى، لا يذهبن في الظن أن التفكير في هذا الافتراض المفارقي يمكن تلطيفه بضرب من الحنين إلى ما قبل التكنولوجيا، فهو ليس افتراضاً نوستالجياً، وإنما هو، كما نوهنا بذلك في توطئة هذه الورقة، افتراض ريبي.
انهيار البنية الرقمية الشاملة التي أضحى الإنسان يعيش داخلها من شأنه أن يغير شكل المجتمع جذرياً. لأن البشرية في هذه الحالة قد تجد نفسها فجأة أمام ما يسميه الفيلسوف الألماني، بيونغ-شول هان Byung-Chul Han (فراغ تكنولوجي). وذلك في كتابه (في السرب) الذي يدرس فيه المجتمع الرقمي حيث تتحرك الجماعات البشرية مثل (سرب رقمي) عبر الشبكات. فإذا اختفت الإنترنت سيختفي شكل العمل عن بعد، ويزول الاقتصاد الرقمي، وتغيب المنصات والخدمات الرقمية. فهل يعني ذلك دخول البشرية في حالة عطالة؟ كلا، يبين التاريخ أن الإنسان لا يعدم الحيلة حين يواجه خطر الفناء. فسيستمر في العمل، لكن من جهة أخرى قد تظهر هناك حدود أوضح بين وقت العمل ووقت الحياة الخاصة، ذلك أن العمل في العصر الرقمي يتميز بكونه نشاطاً دائماً ومتواصلاً تختفي فيه الحدود بين وقت العمل ووقت الراحة، وبما أن العمل في العالم الرقمي قائم على السرعة الفورية، فإن العمل، في حالة اختفاء الرقمنة، من شأنه أن يعرف نسقاً أبطأ. وهو ما يعني إحياء قيمة مركزية المكان لأن الإنسان الرقمي كائن يهيكله التوقيت المتسارع.
حتى وإن أحيت البشرية تقاليد عمل تعود إلى ما قبل الإنترنت فلن تحييها بنفس العقلية. لأن بشرية ما بعد الإنترنت تاريخياً هي بشرية مغايرة لتلك التي كانت في ما قبل الإنترنت، مغايرة طبعاً بنسبة تزيد وتنقص، فذلك رهن نظرتنا إلى التاريخ إن كنا نراه تراكمات متضايفة أو قطيعات متباعدة. من ذلك مثلاً، سينخرم الاستئناس بالتكهنات الفلكية والجوية المحسوبة بدقة، والتي تؤثر في سير العمل في قطاع الفلاحة أو الملاحة. لكن استحضار التقاليد المتصلة باستقراء حركة الأفلاك والمناخ لن يكون استنساخاً لها وإنما إعادة توظيفها تحت صدمة زوال الإنترنت. فبعد أن تعلمت البشرية بفضل الحوسبة الدقيقة الغنم من الاستمطار أو التحكم عن بعد في ري المساحات الزراعية الكبرى، ستلفي نفسها إلى تصريف خبرتها الرقمية ضمن علاقة مباشرة بالطبيعة وبالآلة.
لقد كرست الإنترنت أساليب في العمل تقوم على البحث السريع عن المعلومات، وعلى تكوين ذاتي مستدام، وعلى شغل تعاوني عن بعد، فضلاً عن التصرف في تدفق المعلومات. إلا أنه حتى وإن زالت البنية التحتية، فإن هذه العادات الذهنية والمهنية تظل قائمة. فمثلاً مهندس أو تقني متعود على التعلم عبر المنتديات الرقمية أو قواعد البيانات أو منتديات المحتويات الإرشادية، فإنه يحتفظ بثقافة المبادرة الذاتية والتعلم الذاتي، وسيبحث عندئذ عن وسائط أخرى نظير الشبكات المحلية والأفلام الوثائقية والأرشيف. باختصار، القدرات المكتسبة لا تمحى بزوال الوسيط. فحتى وإن تم الرجوع إلى بعض الأساليب التقليدية، على نحو ما يقدر الكاتب الأمريكي جيمس هوارد كنستلر James Howard Kunstler، فلن يتم طبقاً للذهنية التي كانت ملازمة لها في إبانها.
وبعيداً عن خطاب المواساة عما يلحق بالبشرية من احتمال زوال الإنترنت، فإن غيابها من شأنه أن يفضي إلى اشتغال فرق العمل دون مركزية مفرطة، وسيجري البحث عن بدائل من خارج الشبكة. فانهيار الإنترنت يعني اختفاء سوق عالمية كبيرة، إذ الإنترنت نفسها ليست مجرد أداة أو وساطة، بل هي بدورها تجارة.
بعبارة أخرى، ينبغي ألا نتعاطى مع هذا الافتراض كما لو أن الأمر يتعلق بمحو مرحلة من تاريخ البشرية. فحتى وإن اضمحلت الإنترنت فإن التحولات التي أفرزتها في الفكر وفي الممارسة الاجتماعية، وفي الاقتصاد، وفي المؤسسات تبقى آثارها قائمة بعد. لا يمكن إذن الرجوع إلى ما قبل الإنترنت، فمسار التاريخ حتى وإن تخللته فجوات أو انقطاعات لا يعود القهقرى ليكرر ما فات حتى وإن كانت البشرية تلوذ بالذاكرة في أحقاب الأزمات والكوارث، فالذاكرة آلة للتذكر وليست للتنفيذ الفعلي.
يتعلق الأمر بمرحلة تاريخية جديدة تدمج المكاسب الحاصلة مما أنتجته الإنترنت ولو كان هذا الدمج بطريقة غير رقمية. فالفاعلون المتدخلون في العمل سيعولون، بعد زوال الإنترنت، على قواعد البيانات المطبوعة أو المنسوخة ورقياً بحيث يذهبون إلى ما بعد الإنترنت بذهنية مشبعة بروح الإنترنت حتى وإن كان ذلك مقترناً بشعور الصدمة أو الأزمة.
***
فرضية العمل خارج الشبكة مغامرة تكهن صعبة، فلقد هيكلت الإنترنت الوجود البشري على نحو يُخيل لنا معه ألا فكاك منه، فزوال الإنترنت يعني زوال ضرب من ضروب التواصل مستجد لكنه متجذر، وهو التعليق الذي يُنشر على مواقع التواصل ضمن ما تسميه الباحثة الفرنسية مارا غويات Mara Gouyat (حضارة التعليق).