مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

‏من يملك سلطة الاتصال في غياب الوسيط؟

‏في شرفته صباحاً يجلس صحفي المستقبل يتناول قهوة ويراقب ترند ‫جوجل‬ ويفتش في وسائل التواصل عن بقايا حدث عسى أن يصبح مدخلاً لقصة استقصائية، يتنقل في بريده الشخصي ومجموعات الواتساب لمتابعة تكليفات العمل ويمر على مواقع الصحف الكبرى والوكالات ليرى الجديد في ملامح العالم على الشاشة، ليكون جاهزاً في الاجتماع الصباحي بعد قليل بصحيفته. ومعه عدد من الأفكار المتوافقة مع سياساتها ومعاييرها الصحفية، ثم يعرج على مواد سبق جمعها ينقحها مع صور وملفات فيديو سيستخدمها في قصته الأسبوعية التي سيذيعها في بودكاست خاص اعتاد أن يقدمه على منصة يوتيوب، بعد أن حققت حلقاته المتخصصة في تحليل الأغاني مشاهدات كبيرة، يختار موضوعات حلقته يشاركها لأصدقائه وينشرها بلا ضغوط، ما يمنحه ربحاً متنامياً وقدراً من الاستقلال، وربما تفرغاً مستقبلياً، لكن الجولة اليومية الخاطفة تجمدت فجأة.‬
عاد الهاتف لطوره الأول، لا يعرف من وظائفه العديدة سوى مجرد الاتصال بطرف ما.
انتهى زمن الشبكات. لا إنترنت بعد اليوم!
يمشي الصحفي صامتاً وتحاصر خطواته أسئلة غير نهائية، كيف ستتغير الصحافة ومعاييرها، ما طبيعة السلطة داخلها وتأثيرها، ما مساحة مساهمتها في المجال العام؟ بعد أن غمرت النقاشات الفضاء الافتراضي مما اعتبره هابرمارس، عصراً ذهبياً لديموقراطية النقاش في المجال العام.
في لحظة موت الإنترنت، يتذكر البشر لحظات الازدهار قبيل توقف القلب الشبكي، كان العالم يعيش (الاتصال الذاتي الجماهيري) بتعبير (مانويل كاستلز) في كتابه (سلطة الاتصال) وهو مفهوم له سمات متعددة، غمرت حتى وسائل الاتصال الجماهيرية التقليدية، مثل الصحف والتلفزيون والراديو، التي دخلت عصر الرقمنة وباتت غرف أخبارها تتواكب مع مستهلكين جدد، يبحثون عن كلمات مفتاحية في محركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي، فتتغير قيم الأخبار وطرق صياغتها بما يلائم المستهلك الجديد.
في عصر الاتصال الذاتي الجماهيري، قد يصبح المستهلك منتجاً، يتحكم في البوابات القديمة للاتصال، كحارس بوابة جديد يختار مواده، ومتابعيه وتوقيت النشر ومن يشاركه.
لكنه يخضع في الوقت ذاته لحارس البوابة الأكبر (خوارزميات) مواقع التواصل والمنصات.
فالحارس الخوارزمي الكبير، اعتاد الخفاء لكن يملك أوراق اللعبة كلها، فهو القادر على التحكم بمستويات حرية تبادل الرسائل الاتصالية، يهبط بها لأسفل في موضوعات بعينها ويعلو بها في موضوعات أخرى.
حارس البوابة الرئيس في عصر الشبكات قوي وغير مرئي يمنحك إحساساً بأنك تنشر بنفسك وتختار مشاركاتك وتوقيتك لكن قد يغضب عليك بلا رجعة، يمنحك تفاؤلاً واضحاً، فتختار جمهورك وتحقق رغباته لكن الكلمة الأخيرة له.
تتضاءل سلطة حراس البوابات القدامى، من الصحفيين والمديرين، وتتقلص مساحاتهم، وتتحدد في وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية، يمارسون سلطاتهم على المواطنين الصحفيين، ومرؤوسيه، لكن نجوم عصر الاتصال الجماهيري الذاتي الجدد، من النخبة المشكلة حديثاً من المؤثرين و(اليوتيوبرز) وصناع الصفحات يحتفظون بسلطاتهم لا ينحنون إلا (للأخ الخوارزمي الأكبر).
مع انطفاء العصر الشبكي، نواجه تحديات متعددة كإعادة ترتيب المساحة التي من المفترض أن يتشكل فيها الرأي العام، ومن يشكلها ويتحكم في مدخلاتها؟ فحارس البوابة العائد، محمل بخبرة طويلة رأى فيها الرأي العام يبنى من تدفقات معلوماتية ضخمة، دون تأن في المعالجة، وهو ما يعيد دوره كمنظم لمعالجات متأنية للمعلومات، يختار فيها من يضمن جودتها. ويبني بموجبها مجالاً عاماً ثرياً.
في المقابل، يعود الحراس القدامى للبوابات أيضاً مكبلين بقيم مؤسستهم، يختار المديرون، ما يحقق أهداف المؤسسة، ويتواكب مع مكاسبها.
العودة كذلك تتواكب مع تفكيك أنماط إدارية واقتصادية عديدة، منها التحالفات مع شركات الكمبيوتر والشبكات، وفض الشراكات المعولمة، وتغير أنماط الإنتاج الإعلامي، لتلائم مستهلكاً جديداً لا تدفعه محركات البحث والكلمات المفتاحية.
في عصر الاتصال الجماهيري الذاتي الذي اتسم بالانفجار المعلوماتي والمواكبة اللحظية، كانت الرسالة تصل إلى عدد غير محدود من الجمهور عبر حزم معلوماتية سريعة، لكن مع نهاية العصر الشبكي، سيعود المستهلك يبحث عن المعنى، عن التفسير، ويكتسب السبق الصحفي سمعته القديمة، بينما تقل تحديات الانفجار المعلوماتي كتراجع الخصوصية، وحصار الأخبار الزائفة.
مع اختفاء الإنترنت تتقلص مساحة مناقشات المجال العام، لكنها تفتح فرصة لمستوى أعلى من الجودة، فيعود الناس للنقاش وجهاً لوجه، بينما تتسلل إلى وسائل الإعلام إسهامات نخبوية للخبراء، يقلل الزمن المنطفئ من ديموقراطيتها، ويزيد من مستواها. ويعود لحارس البوابة القديم سلطته في الاختيار والنشر وتحديد مساحة النقاش ووضع المعايير.
غياب الشبكة يمنح فرصة لاكتشاف هشاشة الفضاء العام الرقمي، بل اكتشاف خديعته، فالصخب الناتج عن كثرة النقاش، سيدرك المتعاطون معه أن لاعباً خفياً اسمه الخوارزميات سبق ووجههم لموضوعات بعينها، وحجب عنهم أخرى، فيما يعود وقتها الحراس التقليديون ينقلون النقاش إلى الأوراق والشاشات، ما يمنحه بعداً تقليدياً رسمياً، أقل اتساعاً وأكثر مسؤولية، مع توافر أدوات أكثر خبرة للفهم والنقاش وتبادل الرأي والدراسة، فتصبح الخبرة الصحفية والمعرفة المتخصصة، شروطاً، ترتفع الجودة وتنخفض المشاركة، لتضعنا أمام تحدٍ جديد حول ماهية خطاب الفضاء العام المثالي الذي سعى إليه هابرمارس. خطاب يزيح الذكريات السيئة للفوضى الرقمية التي عاشها البشر طوال ثلاثة عقود على الأقل في عصرهم الذاتي الجماهيري.

ذو صلة