يتمثل دور الذكاء الاصطناعي في بيئة التعليم العام في مشهدين رئيسين. أولهما مشهد استجابة مناهج التعليم لمُتطلبات (الأهلية Literacy) في هذا الذكاء، وقد تحدثنا عن هذا المشهد في مقال سابق. وثانيهما مشهد استخدام نماذج هذا الذكاء في العملية التعليمية بين الطالب والمُعلم، وهو موضوع حديث هذا المقال. فلهذا الموضوع أهمية كبيرة في التعليم مع تزايد وجود مثل هذه النماذج، وما تُقدمه من معلومات تلقت عناصرها الأولية من بيانات مُتاحة، وعملت على معالجتها واستيعابها بذكاء، من خلال خوارزميات ذكية مُتجددة، وبتمكين إلكترونيات تزداد تقدماً، تقوم بالتعامل معها، وتنفيذ مُتطلباتها بمستوى أداء غير مسبوق في سرعة العمل، وفي سعة الاستيعاب.
تدخل نماذج الذكاء الاصطناعي، التي تُعرف بالتوليدية، إلى العملية التعليمية كعنصر ذكي ثالث بين الطالب والمُعلم. وليس هذا العنصر بأعلى ذكاء من ذكاء الطالب أو المُعلم، لكن ذكاءه مُختلف في خصائصه عن ذكاء كل منهما. فهو متفوق عليهما في الاستيعاب الكمي للمعلومات، وسرعة التعلم والمُعالجة، والاستجابة للتساؤلات، لكنه لا يرقى إلى ما لديهما من إمكانات في الوعي والخيال، والإبداع والابتكار.
يُعدّ نموذج (تشات-جي بي تي ChatGPT)، الذي أخذ طريقه إلى انتشار سريع فور صدوره عن مُؤسسة (الذكاء الاصطناعي المفتوح: أوبن أي آي OpenAI) في نوفمبر 2022، نموذج الذكاء الاصطناعي الأعلى شهرة حول العالم. فقد تعززت شهرته من خلال قدراته، وعبر تطور هذه القدرات، وإصداره لنماذج أكثر تطوراً. لكن هذا النموذج ليس وحيداً على الساحة، حيث هُناك نماذج مُختلفة أخرى، بينها نماذج صُممت خصيصاً من أجل تعزيز العملية التعليمية.
ولعل من أبرز نماذج الذكاء الاصطناعي المُصممة للعملية التعليمية نموذج (خانمنغو Khanmigo) الذي طورته (أكاديمية خان Khan Academy)، بالتعاون مع شركة (أوبن أي آي OpenAI). ويقدم هذا النموذج خدمات معلوماتية ذكية ليس فقط للطُلاب والمعلمين، ولكن للأهل أيضاً. وتتضمن موضوعات هذا النموذج: الرياضيات، والعلوم، والتاريخ، وعدداً من الموضوعات التعليمية الأخرى.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن أكاديمية خان هي مُؤسسة تعليمية غير ربحية، يقع مقرها في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، وتقدم خدماتها عبر الإنترنت للجميع أينما كانوا حول العالم. وقد أصدر مُؤسسها ورئيسها (سلمان خان Salman Khan) هذا العام 2024 كتاباً في نصرة استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في التعليم، من قبل المعلمين والطلبة والأهل. ويحمل الكتاب عنواناً يقول: (الكلمات الجديدة الشجاعة: كيف سيحقق الذكاء الاصطناعي ثورة في التعليم).
ينقسم المعلمون، في مسألة السماح للطلاب باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في تنفيذ مُتطلبات العملية التعليمية، بين الحماس الإيجابي تجاه هذا الاستخدام، كما هو الحال لدى سلمان خان، من جهة، وبين الرفض السلبي من جهة أخرى. ويأتي هذا الرفض مُستنداً إلى ما يرى أصحابه من حتمية تكاسل الطلاب عن البحث الذاتي عن المعلومات في أداء الواجبات، نتيجة اعتمادهم على هذه النماذج.
وقد كان مثل هذا الانقسام موجوداً أيضاً عندما ظهرت الآلة الحاسبة، قبل سنوات طويلة، وكثيراً ما كان يُمنع استخدامها في العملية التعليمية، وفي الاختبارات، كي يعتمد الطلاب على أنفسهم في إجراء العمليات الحسابية.
يرى الجانب الإيجابي أن دخول نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى العملية التعليمية بين المعلم والطالب، إضافة إلى الأهل، يُعطي بعداً جديداً داعماً لهذه العملية. ويتمثل هذا البعد في أن نماذج الذكاء الاصطناعي، بما تقدم من معلومات، وتجيب عن تساؤلات مُستندة إلى منهجية منطقية، توسع دائرة اطلاع أطراف العملية التعليمية، وتفعل الجانب المنطقي التحليلي في تفكيرهم. ويُؤدي ذلك إلى جعل التواصل في العملية التعليمية أعلى جودة، وأفضل أداء.
ويعتبر البعض من أصحاب هذا الرأي الإيجابي في الموضوع، أن تواصل أطراف العملية التعليمية مع نماذج الذكاء الاصطناعي، بين سؤال وجواب، يعود بنا إلى طريقة التعليم الفعالة التي كان (سقراط Socrates) يستند إليها في إثارة التساؤلات والبحث عن إجابات، وتكرار ذلك بما يصل بفهم الأمور إلى جذور عميقة.
لن يعود مستوى الذكاء الاصطناعي القائم حالياً إلى الوراء، بل إنه مُرشح إلى المزيد من القدرات، ولعل وجوده كعنصر متميز داخل العملية التعليمية وسيلة للارتقاء بها، وليس إضعافها. فيا أيها المعلمون، دعوا الذكاء الاصطناعي التوليدي يأخذ دوره في إعداد الناشئة للمُستقبل، بالطبع في ظل إشرافكم، وحكمة توجيهاتكم.