مما لا يخفى أن النصوص الأدبية المتميزة- ولا سيما النص الشعري-هي بطبيعتها نصوص غامضة، فهي -من ثَم- لا تفتح مغاليقها لكل أحد، ولا يُكشف عما هو مستور في أعماقها -وما أكثر هذا المستور!- لكل قارئ، بل إن ذلك محتاج إلى قارئ متمرس خبير، قارئ استثنائي، قارئ يحسن الغوص في أعماق النص، والسباحة في بحره الواسع المترامي.
إن لغة النص الأدبي الجدير بالتقدير والسمو ليست هي اللغة العادية التي تُتَداول في الخطاب اليومي، أو في خطاب عامة الناس وكلامهم، ولكنها لغة مجازية منزاحة معدول بها عن اللغة العادية. كما أن لهذا النص - زيادة على هذه اللغة- جمالياته الخاصة التي تجعل منه أدباً أو كلاماً أدبياً.
وفي تراثنا النقدي كلام كثير عن هذه الخصوصية للنص الأدبي المتميز ولا سيما النص الشعري.
ذكر الجاحظ بعض هذه الجماليات وهو يتحدث عن الشعر، ويبين جوهره وحقيقته الفنية، وذلك في عبارته المشهورة. يقول: «فإنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير..».
وفي هذا السياق يحضر كلام ابن رشيق الذي نقله عن غير واحد من العلماء.
يقول: «الشعر ما استعمِل على المثل السائر، والاستعارة الرائعة، والتشبيه الواقع، وما سوى ذلك فإنما لقائله فضل الوزن».
ويقول: «إنما سمي الشاعر شاعراً لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره، فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استطراف لفظ وابتداعه، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني، كان اسم الشاعر عليه مجازاً لا حقيقة، ولم يكن له إلا فضل الوزن، وليس بفضل عندي مع التقصير».
كما نقل ابن رشيق عن العلماء قولهم عن الشعر: «إنه لا ينبغي أن يكون خالياً من هذه الحلي، يقصدون ضروب الصنعة: كالتمثيل، والتشبيه، والاستعارة. ووصفوا الشاعر الذي يخلو شعره من هذه الوجوه بأنه يُخلي. واعتبروا الإخلاء عيباً في الشعر..».
بل إن من مزية النص الأدبي المعتبر التي توجب له الفضل والتميز أنه مغلف بثوب من الغموض الشفيف، يحتمل أكثر من وجه في التأويل، ولو كان سطحياً مكشوفاً لا يحتمل إلا وجهاً واحداً لما وجب له هذا الفضل.
يقول في ذلك عبدالقاهر الجرجاني: «اعلم أنه إذا كان بيناً في الشيء أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه، حتى لا يُشكِل، وحتى لا يُحتاج في العلم بأن ذلك حقه، وأنه الصواب، إلى فكر وروية، فلا مزية، وإنما تكون المزية، ويجب الفضل، إذا احتمل في ظاهر الحال غير الوجه الذي جاء عليه وجهاً آخر..».
وكأن عبدالقاهر يشير بذلك إلى ما فُطِن إليه الآن في الدرس اللغوي الحديث من أن للنص الأدبي المتميز بنية سطحية، وبنية عميقة لا ينفذ إليها إلا القارئ البصير.
يشير عبدالقاهر -في النص السابق- إلى تميز النصوص المعتبرة بالعمق، وثراء الدلالة، أو قلْ يشير إلى الغموض الفني الذي يحتاج إلى قارئ يغوص وراء الأسرار، ولكنه يعود من هذا الغوص بشيء نفيس ذي قيمة، وهو لا يقصد غموض التعمية أو الطلسمة السائدة في نماذج كثيرة من نصوص الحداثة الهجينة، إذ قد ذم عبدالقاهر الصورة المعقدة التي لا تشف إلا عن أفكار سطحية ساذجة، وتتعب المتلقي من غير فائدة، إذ هو - بعد طول عناء ومكابدة جهد- لا يعود بطائل، ويحصل على ندم لتعبه من غير حاصل.
وهذا الجنس من القول مذموم «لأنه أحوجك إلى فكر زائد على المقدار الذي يجب في مثله، وكدكَ بسوء الدلالة، وأُودِع لك في قالب غير مستوٍ ولا مُمَلس، بل خشن مضرس، حتى إذا رُمْتَ إخراجَه منه عسر عليك، وإذا خرج خرج مُشوَّه الصورة ناقصَ الحسن.
هذا وإنما يزيدك الطلب فرحاً بالمعنى وأنساً به، وسروراً بالوقوف عليه، إذا كان لذلك أهلاً، فأما إذا كنتَ معه كالغائص في البحر، يحتمل المشقة العظيمة، ويخاطر بالروح، ثم يخرج الخرز فالأمر بالضد مما بدأت به، ولذلك كان أحق أصناف التعقد بالذم ما يُتبعك، ثم لا يُجدي عليك، ويؤرقك ثم لا يورق لك..».
إن النص الأدبي إذن غامض صعب المنال، ولكن النص الجدير بالاعتبار والدرس ليس مبهماً معمى، شأن كثير من نصوص أدب الحداثة، بل هو غامض غموضاً إيجابياً ينجلي بالقراءة لمتلق خبير متمرس. وإن له - ولاسيما الشعري منه- من الخصائص اللغوية والفنية ما يجعله غير ميسور لكل قارئ، وتجعل مقاربته والتعامل معه غير متأتيين لكل أحد، بل هو محتاج إلى بذل الجهد، وتحريك الخاطر، أي إلى متلقِ متميز يتعب في تحصيله، يدرك الأسرار الكامنة في أعماقه، ويستطيع النفاذ إليها.
ذلك - كما يقول عبدالقاهر-: «أن المعنى - إذا أتاك ممثلاً في الأكثر- ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى طلبه بالفكرة، وتحريك الخاطر له، والهمة في طلبه. وما كان منه ألطف، كان امتناعه عليك أكثر، وإباؤه أظهر، واحتجابه أشد...».
متلقي النص الشعري
في نقدنا العربي، وفي النقد الحديث، نصوص كثيرة تتحدث عن هذا المتلقي الذي يستطيع استقبال النص الأدبي بمقدرة وامتياز، وتتحدث عن صفاته، وتبين مؤهلاته.
يقول عبدالقاهر الجرجاني في بيان المُؤَهل لأن يستقبل الشعر، وأن يعرف قيمته، وأن يميز بين جيده ورديئه، وأن يُحْتَكم إليه، وأن يُقبل رأيه فيه عند السامع، لأنه عندئذ رأي الخبير البصير.
«اعلم أنه لا يصادف القولُ في هذا الباب موقعاً من السامع، ولا يجد له قبولاً، حتى يكون ممن تحدثه نفسه بأن لما يومئ إليه من الحسن واللطف أصلاً، وحتى يختلف الحال عليه عند تأمل الكلام، فيجد الأريحية تارة، ويعرى منها أخرى، وحتى إذا عجبْتَه عجِب، وإذ نبهتَه إلى موضع المزية انتبه.
فأما إن كانت الحالان والوجهان عنده أبداً على سواء، وكان لا يفقه من أمر النظم إلا الصحة المطلقة، وإلا إعراباً ظاهراً، فما أقل ما يجدي الكلام معه! فليكن من هذه صفته عندك بمنزلة من عدم الإحساس بوزن الشعر، والذوق الذي يقيمه به، والطبع الذي يميز صحيحه من مكسوره، ومزاحمه من سالمه، وما خرج من البحر مما لم يخرج منه، في أنك لا تتصدى له، ولا تكلف تعريفه، لعلمك أنه قد عدم الأداة التي معها يَعرف، والحاسة التي بها يَجد..».
مستويات التلقي
إن للتلقي أكثر من مستوى: هنالك مستوى التلقي الساذج الذي لا يتوقف إلا عند البنية السطحية للنص، وهذا تلقي القارئ العادي الذي لا ذوق رفيعاً عنده يهيئه لما هو أبعد من ذلك.
وهنالك مستوى تلقي القارئ الاستثنائي الخبير الذي ينفذ -كما ذكرنا- إلى بنية النص العميقة، ويفك أسرارها.
يقول عبدالقاهر: «وكما لا تقيم الشعر في نفس من لا ذوق له، كذلك لا تفهم هذا الشأن من لم يُؤتَ الآلة التي بها يفهم..».
إن إقامة الشعر إذن على وجهه الصحيح العميق يحتاج إلى آلة، هي الذوق والفهم، ولا يطيقها أو يُمَكن منها من لم يمتلك هذه الآلة، ذلك أن في الشعر معاني خفية، وأسراراً متوارية، وهذه المعاني والأسرار هي - كما يقول عبدالقاهر-: «أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها، وتحدث له علماً بها، حتى يكون مهيأ لإدراكها، وتكون فيه طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في نفسه إحساساً بأن من شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيها المزية على الجملة، وممن إذا تصفح الكلام، وتدبر الشعر، فرق بين موقع شيء منها وشيء..».
إن على المخاطب إذن أن يمتلك الأدوات التي تمكنه من استقبال العمل الأدبي وفهمه وتدبره، والإحساس بجمالياته.
ولعل جواب أبي تمام المشهور لمن قال له: «لمَ تقول من الشعر ما لا يُفهم؟» بقوله: «وأنت لمَ لا تفهم ما يقال؟». دعوة واضحة للمتلقي أن يبذل جهداً لفهم النص الذي أمامه، وأن يكون مهيأ لاستقباله بأدوات معرفية كافية، فهو ينبغي أن يكون ذا معرفة باللغة وأساليبها وطرائقها، قادراً على تدبر الكلام وفهمه وتأويله، وأن يتعب في تدبره كما تعب منشئه.
إن بلاغة تأويل الكلام - كما يقول التوحيدي- ليست سهلة «فهي التي تُحوج - لغموضها- إلى التدبر والتفحص، وهذان يفيدان من المسموع وجوهاً مختلفة كثيرة نافعة..».
وإذا «لقيها الفكر بالذهن الوثيق والفهم الدقيق ألقى ذلك إلى العبارة..».
المتلقي في الدرس النقدي الحديث
أسرف النقد الأدبي الحديث -الذي هو نقد غربي- إسرافاً غير مقبول في الحديث عن دور المتلقي في عملية التواصل، وفي المكانة التي أعطاه إياها.
إن المتلقي هو أحد أطراف عملية التواصل الستة التي ذكرها جاكبسون، وهي: المرسِل (المؤلف) والمرسَل إليه (المخاطَب، أو المتلقي) والرسالة (وهي النص، أو الخطاب) والسياق الذي يُنشأ فيه النص، والشفرة (وهي النظام اللغوي المشترك بين المرسِل والمرسَل إليه) ووسيلة الاتصال (وهي القناة التي يتم بوساطتها الاتصال بين المرسِل والمرسَل إليه).
ولكن المتلقي هو أهم هذه الأطراف جميعها، هو أهم من النص، ومن مؤلف النص، ومن أية ملابسات تتعلق بالنص، فهو الذي يتلقى الرسالة، ويفسرها، ويؤولها، والنص لا قيمة له من دونه، فهو وحده المنوط به تحقيق دلالة النص، بل إنتاجها، وهو لذلك لم يعد ذلك القارئ المستهلِك الذي كان عليه، بل أصبح شريكاً في إنتاج النص، وفي إعادة تشكيله وبنائه على نحو جديد.
إن قارئ النص يمكن أن ينتج الدلالة التي لا تعتمد على النص وحده، لأن النص -عند أصحاب اتجاه التفكيك واتجاه استجابة القارئ- غير ثابت، ولا محصور في مدلول واحد، وهكذا يبدو كل قارئ للنص -عند هؤلاء- مؤلفاً جديداً للنص، وكل قارئ يحمل معه تجربة معرفية تغني النص، أو تعيد إنتاجه من جديد.
إن السلطان قد أصبح للقارئ الذي ينبغي أن يتمتع -من غير شك- بخبرة عالية، وبذخيرة علمية متميزة حتى يستطيع أن يقوم بهذا الدور المنوط به.
ولكن سلطان هذا القارئ -الذي ينبغي أن يكون متميزاً من غير شك- لا يعني أنه سلطان مطلق، ولا أنه يؤول النص كما يشاء. إن هذا -عندئذٍ- افتراء على النص وصاحبه، وهو تقويل له بما لم يقل.
إن السلطان الحقيقي، في كل مقاربة نقدية للنص، هي النص ذاته، بكل ما يحيط به من ملابسات داخلية وخارجية، والقارئ -مهما كانت ثقافته، وخبرته، وتميزه- ليس مبدعاً للنص، ولا منتجاً له، ولكنه مفسر مؤول له، في حدود ما تتيحه له ملابسات هذا النص. وهو قد يكون أخبر به من مؤلفه نفسه، وقد يقع فيه على ضرب من الدلالات والرؤى التي لم تكن تخطر في بال منشئه نفسه، ولكن ذلك كله ليس من عنده، ولا هو تخمين لا ينهض على أساس، بل هو من إمكانات النص وثرائه، ومما هو مطمور في أعماقه ينتظر القارئ الخبير حتى يستخرجه.
إن واحداً كالمتنبي مثلاً أعطى لناقده سلطاناً، وأقر بأنه قد يستخرج من شعره -بخبرته وفطنته- ما لم يخطر للشاعر نفسه، فكان يقول إذا سأله سائل عن بعض شعره: «عليك بابن جني، فإنه أعلم بشعري مني» أو «فإنه يخبرك بما قلتُ وبما لم أقل» أي يخبرك بالظاهر والمستور، بالسطحي والعميق. ولكن ذلك كله مطمور في النص، لم يتكلفه ابن جني، أو يقول صاحبه غير ما هو موجود في نصه.
إن من حق القارئ الخبير المتمرس أن يستَغْرِقَ في تأملِ النص، وفي تقليب النظر فيه، وفي الذوْقِ والإحساس، وفي الشعور به، والتمَاهِي فيه، ولكن على ألا يصل به هذا الاسْتِغْرَاقُ إلى نسيان طبيعة النص، أو تجاهُلِ دلالات ألفاظه وعباراته، أوِ الاِدعاء -مَثلاً- أن لها ظاهراً وباطناً، حاضراً وغائباً، غير ما يُستنبط من لغته التي هي -من غير شك- لغة ثرة عميقة، حمالة أوجه، ولكن معرفتها ليست بالحدْس أو التخمين، أو تأويل ليست فيه الركن الركين الذي يعتد به.
إن للتأويل ضوابط، من أهَمها ضابطان:
1- احتمالية لغة النص لِمَا يُراد توجيه المعنى إليه.
2- العالِم الحصيف المميز، لملابسات النص المختلفة، وليس الذي يمتلك سلطاناً مطلقاً لا يضبطه ضابط من نص، أو مؤلف، أو ملابسات معينة تشكل نسيج هذا، وتكون جزءاً من تكوينه.
إن سلطان المؤول، أو القارئ - إذاً - ليس سلطاناً مطلقاً كما أشاع ذلك التفكيكيون، أصحابُ نقد ما بعدَ الحداثة اليوم، حتى تحول تأويل النصوص - حتى ما كان منها سماوياً مقدساً - إلى لعبة يُمارسها كل قارئ بحجة ما سَموه (سلطان القارئ) أو (نظرية التلَقي)، وما شاكلَ ذلك من المصطَلَحات البَراقة.
إن النصوص الأدبية العظيمة متسِعة الدلالة حقاً، مشبعة بالمعاني، ولكن استخراج هذه الدلالات الكثيرة مشروطٌ بِجُملة من الشروط، من أهمها ما أشَرْنا إليه.
يؤكد عبدالقاهر الجرجاني في نص بالغِ الدلالة على أهميةَ مرجعية النص، وأن احتمالية ألفاظه هي الأساس في كل ما يذهب إليه المؤول، أو يَعْدل إليه المفسر، وهو ينعي على قوم يُفْرِطون في التأويل، والتكثر من الْتِماس دلالات متعددة من النص من غيرِ سنَدٍ لفظي في النص يُرشِدُهم إلى ذلك.
يقول عبدالقاهر: «إن الإفراط هو ما يتَعاطاه قومٌ يحبون الإغراب في التأويل، ويحرصون على تكثير الموجود، وينسَوْن أن احتمال اللفظ شرطٌ في كل ما يُعدَل به عن الظاهر، فهم يستَكْرِهون الألفاظ على ما لا تقله من المعاني».