مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

(أغالب مجرى النهر).. العين مرآة لوطنٍ يزحف إلى العتمة

حين نالت رواية (أغالب مجرى النهر) لسعيد خطيبي الجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2026م، بدا التتويج، منذ اللحظة الأولى، نتيجةً منطقية لعملٍ ناضج، لا ثمرةَ صدفة ولا مجاملة عابرة في المشهد الثقافي. فهذه الرواية لا تستند إلى الحكاية وحدها، ولا تتكئ على التاريخ بوصفه خلفية جاهزة، بل تنشغل بالطريقة التي يتسرّب بها التاريخ إلى تفاصيل الحياة: إلى الأجساد، والبيوت، والوجدان، والخيارات الصغيرة التي تصنع المصائر. وقد أحسنت لجنة التحكيم، برئاسة محمد القاضي، حين وصفتها بأنها (رحلة آسرة عكس مجرى التاريخ) تتلمّس إرهاصات ما وقع في الجزائر قبيل العشرية السوداء، لأن هذا الوصف يقترب من روح النص أكثر مما يقترب من تلخيصه.

تتويج يليق بمسارٍ تراكمي
هذا الفوز لا يمكن فصله عن المسار الذي بناه سعيد خطيبي على مهل. فنحن لا نكون أمام اسمٍ لمع فجأة بفضل رواية واحدة، بل أمام كاتب راكم تجربته عبر الترجمة والرواية وأدب الرحلة، واشتغل على مشروعه بهدوء وثبات. من (مدار الغياب) إلى (كتاب الخطايا) و(جنائن الشرق الملتهبة)، ثم (أربعون عاماً في انتظار إيزابيل) التي فازت بكتارا، و(حطب سراييفو) التي بلغت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2020، وصولاً إلى (نهاية الصحراء) التي نالت جائزة الشيخ زايد للكتاب، نلحظ كاتباً يصعد درجةً بعد درجة، بلا افتعال ولا ضجيج. لذلك يبدو فوز (أغالب مجرى النهر) تتويجاً لمسارٍ كامل، لا مفاجأةً منفصلة عمّا قبلها.

رواية تنطلق من مكانٍ ضيق وتفتح أفقاً واسعاً
تبدأ الرواية من مشهدٍ خانق: غرفة تحقيق، امرأة موقوفة، جسد منهك، خوفٌ متحفّز، وصوت داخلي يدرك أن ما ينتظرها يتجاوز حدود الاستجواب العادي. هذه المرأة هي عقيلة، طبيبة العيون التي لا تدخل النص بوصفها بطلة متماسكة أو واثقة، بل بوصفها ذاتاً مطوّقة بالخوف والذاكرة والشبهة. ومنذ الصفحات الأولى، ينجح خطيبي في إدخال القارئ إلى قلب التوتر نفسه، لا إلى مجرد مشاهدته من الخارج. نحن لا نتابع واقعةً انقضت، بل نعايش اهتزازاً نفسياً وأخلاقياً وسياسياً في الوقت ذاته.
وهنا تتجلّى إحدى أهم جماليات الرواية. فهي لا تستخدم التحقيق بوصفه حيلةً بوليسية جاهزة لشدّ الانتباه، بل تجعله أداةً للكشف والتنقيب. كل سؤالٍ يوجَّه إلى عقيلة يزيح طبقةً جديدة من الحكاية: زواجها من الطبيب الشرعي مخلوف، علاقتها بمهنتها، خوفها من الزوج، ثم ذلك الخيط المظلم المتصل بقرنيات الموتى، وبالحدّ الملتبس بين العلاج والجريمة، بين استعادة البصر والاتجار بالجسد. ووفق العرض الرسمي للجائزة، تقوم الرواية على اتفاقٍ بين طبيبة عيون وزوجها المسؤول عن المشرحة على سرقة قرنيات الموتى وبيعها في عيادتها. غير أن النص لا يقف عند حدود الفضيحة، بل يدفعها إلى مستوى أعمق: مستوى السؤال عن مجتمعٍ يتآكل من الداخل قبل أن ينهار في العلن.

من الجريمة الفردية إلى العطب العام
أكثر ما يمنح الرواية قوتها، في تقديري، أنها لا تبحث عن مذنبٍ وحيد تُعلّق عليه كل الخسارات. لا تقول لنا إن هذه امرأة شريرة وحسب، أو إن هذا رجل فاسد وحسب، أو إن المجتمع منحرفٌ ثم ينتهي الأمر. على العكس من ذلك، هي رواية ترى أن الجريمة، حين تتكرر داخل البنية الاجتماعية، تتجاوز كونها خطأً فردياً خالصاً. ما تفعله عقيلة وما يفعله مخلوف لا يولد من فراغ، بل من مناخٍ كامل: هشاشة أخلاقية، تصدّع طبقي، تواطؤ مؤسساتي، واستعداد فادح لتحويل الإنسان إلى مادةٍ قابلة للبيع والشراء.
من هذه الزاوية، لا تبدو القرنية مجرد عضو بشري صغير، بل استعارة مركزية شديدة الذكاء. فالعين، التي يُفترض أن تمنح الرؤية، تصبح موضع نهب. والطب، الذي يُفترض أن يرمم الإنسان، ينقلب إلى تجارة. والمشرحة، التي يفترض أنها آخر حدود الصمت والهيبة، تمتدّ لتصبح جزءاً من السوق. لذلك لا تُقرأ الرواية بوصفها حكايةً عن الاتجار بالأعضاء فحسب، بل بوصفها نصاً عن اختلال الرؤية نفسها: كيف يفقد المجتمع بصيرته وهو يظن أنه ما يزال يرى.

مدينة الهامش بوصفها ذاكرةً حيّة
لكن الرواية لا تبقى محصورةً في خط التحقيق. إنها تتشعب، ترتدّ إلى الوراء، وتفتح خطاً زمنياً آخر يمتدّ عبر ما يقارب نصف قرن من التحولات. هكذا تتسع الحكاية لتضع القارئ أمام مدينة جزائرية طرفية، لا بوصفها مجرد خلفية صامتة، بل بوصفها كائناً حياً يحمل شقوقه وتناقضاته. وقد وصفتها دار نوفل، التي صدر العمل عنها، بأنها رواية تأخذ قارئها عبر نصف قرن من التحولات، فيما أشارت لجنة التحكيم إلى صلتها بإرهاصات ما قبل العشرية السوداء. وهذا الاتساع الزمني والمكاني ليس ترفاً بنائياً، بل ضرورة لفهم كيف تنشأ الكارثة على مهل، وكيف تتكوّن عبر طبقاتٍ متراكمة من الخوف والاختلال والصمت.
الميزة اللافتة في سرد خطيبي هنا أنه لا يكتب التاريخ من علٍ. لا يقدمه بوصفه خطابةً وطنية، ولا يحوّله إلى أرشيفٍ بارد. التاريخ في هذه الرواية يدخل من الأبواب الصغيرة: من مقهى روز، من أثر الاستعمار الذي ظلّ يشتغل في الأجساد والعلاقات، من حيوات المناضلين القدامى، من العلاقات المختلطة بين الرغبة والخوف، من القرى والهوامش، من جمعيات الأيتام، ومن النساء اللواتي يدفعن ثمن كل انتقالٍ اجتماعي قبل غيرهن. بهذا المعنى، لا تؤرخ الرواية للجزائر بقدر ما تُنصت إلى ما فعله التاريخ في اللحم الحي.

النساء في المتن لا في الزينة السردية
من يقرأ (أغالب مجرى النهر) يلاحظ سريعاً أن النساء فيها لسن شخصياتٍ ثانوية تُستخدم للزينة أو للتخفيف. عقيلة ليست مجرد متهمة، بل بؤرة توتر مكتملة: امرأة ناجحة مهنياً، مكسورة وجدانياً، متماسكة في ظاهرها، ومهددة من الداخل. وياقوت ليست اسماً عابراً في الماضي، بل تكثيفاً لمرحلة كاملة من الاضطراب الاجتماعي والجسدي، من الرغبة التي تصطدم بالرقابة، ومن التحول الذي يطال المدينة والناس معاً. أما ريمة، في الخط المتأخر من الرواية، فتأتي بوصفها صورة أخرى للهشاشة حين تُترك الأنثى معلقةً بين السوق والعار واحتمال النجاة المستحيل.
والجميل في معالجة خطيبي لشخصياته النسائية أنه لا يختزل المرأة في صورة الضحية المطلقة، ولا يرفعها إلى مرتبة القديسة المضادة. نساؤه معقدات، مترددات، يخطئن، يناورن، يخفن، ينجون حيناً، ويورّطن غيرهن أحياناً. وهذا بالتحديد ما يمنح الرواية صدقها الإنساني، لأن الحياة نفسها لا تنتج شخصياتٍ نقية، بل ذواتاً مشوبة بالتناقض والضعف والرغبة والنجاة.

لغة تعرف متى تكتفي بالإيماء
في حيثيات الفوز، ورد أن لغة الرواية (تنوس بين اليومي والأدبي)، وأن شخصياتها تلتقي فيها القسوة والهشاشة. وهذا توصيف دقيق بالفعل. فخطيبي لا يكتب بلغةٍ متضخمة، ولا يهرب إلى الزخرفة كلما ضاق المعنى. لغته مشدودة ومرنة في آن، قادرة على حمل الحوار والذاكرة والوصف من غير أن تتراخى. ثمة صفحات تمضي مثل اعترافٍ شخصي، وأخرى مثل محضرٍ بارد، وأخرى كأنها شظايا من سيرة جماعية موزعة بين أفرادٍ كثيرين. وهذه القدرة على الانتقال بين المقامات من غير تكلف، واحدة من أبرز عناصر قوة الإيقاع السردي.
والأهم أن هذه اللغة لا تقول كل شيء. إنها تترك فراغات محسوبة، وتثق بذكاء القارئ، وتدعوه إلى أن يعيد تركيب الصورة بنفسه. لذلك لا تُستنفد الرواية في قراءة واحدة على مستوى المعنى. ففي كل عودة إليها، يكتشف القارئ أن ما ظنه تفصيلاً عابراً كان مفتاحاً، وأن ما بدا هامشياً اتضح لاحقاً أنه مركزٌ مؤجل.

لماذا بدا الفوز مستحقاً؟
لأن الرواية، ببساطة، تعرف كيف توازن بين المتعة الفنية والثقل الإنساني. فيها حكاية مشوّقة، لكن توترها لا يقوم على الإثارة الرخيصة. وفيها تاريخ، لكنه لا يُستخدم ديكوراً أو زينةً دلالية. وفيها شخصيات كثيرة، غير أن كل واحدة منها تدخل وهي تحمل قطعةً من اللغز. ثم إن النص يحقق أمراً نادراً: يجعل الخاص مرآةً للعام من غير أن يفسد أيّاً منهما. بيتٌ واحد يفضح مدينة، ومدينةٌ واحدة توحي ببلدٍ كامل يسير نحو اختلاله الكبير.
وعقب الفوز، كتب سعيد خطيبي على منصة X: «كنت طفلاً عندما نجوتُ من العشرية السوداء»، ثم أهدى فرحه إلى الذين رحلوا لكي يحيا ويكتب ويدافع عن حقه في الحياة والأدب. لا أتعامل مع هذا القول بوصفه مفتاحاً نهائياً لتفسير الرواية، لكنه يضيء بُعداً مهماً فيها: أن الكتابة هنا ليست لعبةً شكلية، بل فعل مقاومة ضد العمى، وضد النسيان، وضد تحويل المأساة إلى خبرٍ قديم يفقد حرارته بمرور الزمن.

سردٌ في أقصى يقظته
ليست (أغالب مجرى النهر) رواية سهلة، ولا يلزمها أن تكون كذلك. إنها تتقدم ببطء الواثق، وتخلّف وراءها طيناً أخلاقياً وتاريخياً كثيفاً. غير أنها، في المقابل، تمنح قارئها مكافأةً نادرة: أن يرى كيف تستطيع الرواية العربية، حين تكون في كامل يقظتها، أن تكتب الجسد والتاريخ والمدينة والعار والرغبة والذاكرة في نسيجٍ واحد من غير أن يتفكك. ولهذا بدا فوزها مستحقاً فعلاً. لا لأنها ترفع صوتها عالياً، بل لأنها تعرف كيف تُصغي إلى ما هو أعمق من الصوت: إلى الرجفة التي تسبق الانهيار، وإلى العتمة التي تبدأ من عينٍ واحدة، ثم لا تلبث أن تمتد.

ذو صلة