مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

إبراهيم اليازجي.. أثره في الشعر والنثر والنقد

لاشك أن الأديب (إبراهيم ناصيف اليازجي) هو أحد آباء النهضة الأدبية العربية الحديثة، وقد تخصص في مجال دقيق ومهم وهو (فقه اللغة) وخدم الأدب العربي شعراً ونثراً، ثم دخل في مجال النقد فقدم فيه ما يبهر الأدباء ويطرب له متذوقو الفن الأصيل، فن القول المنظوم والمنثور، وقد عدَّه الأديب (مصطفى لطفي المنفلوطي): (أكبر عالم لغوي في العصر الحاضر - عصر المنفلوطي- حيث اتفق له ما لا يتيسر إلا لقليل من اللغويين في قوة البيان وبراعة الإنشاء).
وُلِد (إبراهيم بن ناصيف اليازجي) المعروف بـ(الشيخ) لوجاهته وعلمه - كما أنه لقب ورثه عن أبيه- في مدينة (بيروت) وتحديداً في الثاني من مارس لعام 1847م في بيت لغوي يعتني بالأدب، وتولى أبوه (ناصيف اليازجي) تعليمه بنفسه فشرب الفصاحة منذ نعومة أظفاره، وكان معروفاً بذكائه الشديد، وقد نظم الشعر في ريعان شبابه، ويرى كثيرٌ من النقاد أن شعره مُتقَن ويظهر فيه أنه وَرِث الصنعة من أبيه واكتسب البلاغة، كما أنه كان رحب الخيال حاضر العاطفة وفي شعره ذكاء وإحساس، فأما الإحساس فالمعروف أن الشعر تعبير عن المشاعر، وأما الذكاء فيبدو في المعاني المبتكرة والصور الشعرية والتشبيهات، ولا نعدو الحقيقة إذا وصفنا أدبه بالرقة والعذوبة مثل جداول لبنان، ويظهر في هذا الأدب صفاء الخاطر وحسن إيراد المعاني مع وضع اللفظ المناسب لكل معنى، وقد اشتهر بجودة نظم القصائد، لذا احتكم إليه كثيرون من رواد الشعر والأدباء وجاءته الرسائل من الشعراء وفيها المناقشات والأسئلة والتعليقات، وكان لا يخلو مجلس له من المُباحَثة الأدبية والمُدَارَسة الشعرية، وعُرِف عنه الولع بالقراءة والعكوف على المطالعة.
وفي عام 1872م عُهِدَ إليه بتحرير جريدة (النجاح)، وكان عندما يتعب من الكتابة والتحرير وتأليف الكتب يمارس هواياته وهي (الرسم) و(الموسيقى) و(الحفر على الخشب)، ورغم جمال شعره إلا أنه آثر الانصراف إلى النثر والتخصص فيه، ولعلنا نورد بعض النماذج من شعره حتى يعرف القارئ أنه جدير بالإعجاب والثناء.
يقول في وصف (المحرك المائي) الذي اخترعه (يوسف إلياس المهندس) في بيروت، وأقيمت له حفلة في (محلة الجناح) عام 1887:
عُجْ بالجناحِ وقل لليَعمُلاتِ قِفي
وحَيِّهِ بلسان الشَّيِّقِ الكَلِفِ
وسَرِّح الطَّرْفَ في ما فيهِ من عَجَبٍ
يلهُو بهِ الصَّبُّ عمَّا فيهِ مِن شَغَفِ
هَذِي هيَ التُّحفَةُ الغَرَّاءُ قد برزَت
للناظرين فأروْت غُلَّة اللَّهفِ
مُحَرِّكٌ أبداً يجري الحِرَاك بهِ
على أتَمِّ نِظامٍ غَير مُختَلفِ
هو الحياةُ به يحيا الجمادُ فلَوْ
يُناطُ يوماً بقلبِ الحَيِّ لم يَقِفِ
بهِ انجَلَتْ قُدرَةُ الإنسانِ واتَّضَحتْ
مَزِيةُ الخَلَفِ الباقي على السَّلَفِ
وأصبحَ الشرقُ من زَهْوٍ يَجُرُّ بهِ
على المغاربِ ذيلَ العِزِّ والشَّرَفِ
وقولُه: (عُجْ بالجناح) أي: اذهب إلى محلة جناح. واليَعمُلات: جمع يَعمُلَة وهي الناقة السريعة. أما الكَلِف فهو: المغرم. والصب هو: العاشق. فيما الغُلَّة هي: شدة العطش.
وقد شهد لليازجي رجال عصره، ونرى على سبيل المثال شاعر القطرين (مطران خليل مطران) وكان تلميذاً له يقول عنه: (راعني الشيخ بكمال سيرته ورجاحة عقله وسعة معارفه وإحاطة خبرته بالناس، فلزمته لزوم المتأدب والمريد زمناً طويلاً، ولا أبالغ بقولي إنه إذا كان الإنسان في ظاهره وباطنه لا يخلو من العيوب، فقد كان الشيخ من أقل الناس عيوباً). وقال عنه أيضاً: (إن للشيخ مذهباً عاماً في الشعر والنثر وسائر ما يتولاه وهو مذهب الإتقان، لا يخلق جديداً ولكنه يتقن ما يصنعه إلى حد أنك تعزوه إليه وتعرفه بطباعه) أي إنك تعرف أن الكاتب هو (إبراهيم اليازجي) حتى وإن خرج المكتوب بغير اسمه وذلك لأن له جودة وإتقان عُرِفَ بهما وله بصمة يعرفها القارئ الحصيف الخبير بأساليب الأدباء، ثم يخبرنا (مطران) بصفة أخرى في (اليازجي) لا نشك أنها فيه فيقول: (وكان التحقيق فيه خُلَّة لم تبلغ من باحث أو عالم مبلغها منه).
أما عن النقد لدى (اليازجي) فقد كان له علم وافر بصنعة الأدب وأساليبه ومدارسه، ونظر ثاقب يُرِيه أدق الهفوات، وبصر بمواطن الجمال، ويضاف إلى ذلك -ولا شك أنها إحدى محامده- أنه كان صريحاً في نقده فكان يجهر برأيه غير هيَّاب ولا وَجِل، وقد جرى في نقده على أمرين، هما:
-1 نقد استعمال المفردات وهو النقد البلاغي، والنقد غير النقض، فهو لا يذم الكاتب ولا ينتقص منه ولا يُسَفِّه ما كتب وإنما يحلل طريقته في استخدام المفردة، وهل جاءت في موضعها أم أنها لا تعبر عن مقتضى الحال، وهل هي الأفضل في هذا الموضع أم أن هناك مفردة أفضل منها وأقرب للمعنى وأوقع في نفس القارئ؟
-2 النقد الأدبي المعروف الذي يدخل فيه إلى عالم الكاتب ويلبس عباءته ويطوف بين عباراته وينظر إلى سياق المكتوب نظرة شاملة مع مناقشة المعاني ومُدَارسَة المباني، ويشفع ذلك بشيء من الآراء في اللغة والأدب.
والملاحظ في نقد (اليازجي) تحاشيه عن المهاترة والسُّبَاب والقدح، كما أنه لم يكن يمدح للتعظيم، بل كان يغوص في فكر المنقود فيظهره بحسناته إن كانت له حسنات وبسيئاته إن كان سيئاً، على أنه في إحدى مقالاته حمل على بعض الأدباء المعاصرين له وانتقدهم نقداً لاذعاً وقال عن أعمالهم بالنص: (وقد تصفحنا بعضها على قدر ما وَسِعَهُ وقتنا الضيق وفسح لنا تراكم الأشغال، فرأينا فيها من غرائب النظم ما استوقفنا وأَيْمُ اللهِ بين الحيرة والأسف لِمَا تمثل لنا من تخلف صناعة الأدب في بلادنا السورية مع ما نعلم فيها من زيادة وسائل انتشار العلم وكثرة المدارس والدارسين، وتمنينا ألا يكون ذلك عن تراجع في الفطرة، وانتكاس في استعداد السلالة الشرقية التي طالما لمعت أشعة ذكائها في العصور الغوابر).
وهناك ملمح آخر في شخصية (اليازجي) وهي كَلفُه بالعلم وبالذات (الفلك) ولهذا لا نعجب من صدور أبحاث له ومقالات علمية في مجلة (الضياء) فقد كان بحق - وكما وصفه الكاتب (عيسى ميخائيل سابا)- (دائرة معارف لغوية وعلمية) وهذا الوصف ليس من باب المبالغة وإلا لما منحه ملك السويد والنرويج نوطاً في العلوم، ولما عُيِّنَ عضواً في الجمعية الفلكية بعاصمة فرنسا (باريس) وفي الجمعية الفلكية بـ(السلفادور) في قارة أمريكا اللاتينية، وقد كانت له مباحثات شهيرة مع الفلكي الفرنسي المشهور (فلاماريون) كما عرض على الجمعية الفلكية في باريس رأيه لسبر مسافات الأجرام البعيدة الغائصة في أعماق الفضاء، وطبعت الجمعية ما عرضه في مجلة أعمالها، كما طُبَع رأيه في مجلة شهيرة بذلك الوقت واسمها (كوزمُس).
أما في الصحافة فيمكن القول إنه حررها في بلاده من ركاكة التعبير وزحف العامية، وقد ترأس تحرير جريدة (النجاح) فاعتنى فيها باللغة، وأنشأ مجلة (الضياء) التي ظل يكتب فيها ثمانية أعوام حتى وافته المنية في منطقة المطرية بالقاهرة سنة 1906 ثم نقل جثمانه إلى بيروت وأودع القبر في (محلة الزيتون) بجوار والده وأخويه (حبيب) و(خليل). وكان (إبراهيم اليازجي) قد استقر في مصر في الفترة الأخيرة من عمره لازدهار الصحافة فيها وتوافر الأدباء ومناخ الحرية الذي افتقده في لبنان بسبب سيطرة العثمانيين عليها في ذلك الوقت في حين كانت مصر تحت الحكم الذاتي منذ عهد محمد علي وحتى عام 1914 الذي انفصلت فيه تماماً عن الدولة العثمانية.

ذو صلة