مجلة شهرية - العدد (571)  | أبريل 2024 م- رمضان 1445 هـ

التعليم في القرن الحادي والعشرين

يحظى التعليم ومستقبله بأهمية خاصة واهتمام ورعاية الحكومات؛ كونه الدعامة الأساسية الإستراتيجية لبناء الدولة وتطورها في مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتكنولوجية. حيث تؤكد المؤشرات على قدرته على تأمين رأس المال البشري والمعرفي اللازم للمجتمعات ولأسواق العمل، وتعزيز البحث العلمي والابتكار، وخلق المواطن الواعي الذي يتحلى بمنظومة أخلاقية سامية وثقافة متطورة وعصرية، ويساهم في تحقيق التنمية والتنمية المستدامة. ويأتي السؤال عن واقع التعليم في المنطقة العربية، ومدى تماهيه وانسجامه مع التوجهات العالمية، وثورة المعلومات والتكنولوجيا والنظرة المستقبلية للمؤسسات التعليمية ورؤيتها للسنوات القادمة. من الواضح واستناداً إلى عدة مؤشرات أن واقعنا التعليمي مازال متخلفاً عن الثورة الصناعية الرابعة والخامسة. بل أظهرت الدراسات انخفاضاً في مستوى التعليم ومخرجاته وتشبثه بالأسلوب الإداري التعليمي التقليدي، وبعد المناهج التعليمية عن متطلبات العصر، والتغير المستمر وعدم التركيز على غرس المهارات والقدرات ودمجها مع المناهج الدراسية لتحقيق التنمية المستدامة. بالإضافة إلى ضعف الاستثمار في توفير البنية التحتية الحديثة، وعدم الاهتمام بالتأهيل التربوي، بالإضافة إلى الظروف الصعبة للمعلمين والإداريين.
وفي عصر تعصف فيه ثورة التكنولوجيا الرقمية والاتصالات، والتغير الذي لا بد للتعليم أن يواكبه، فإننا ننتظر تحولاً جذرياً في مستقبل التعليم وخصوصاً المدارس من حيث الدور المنوط لها وشكلها وبيئتها، حيث تصبح المنظومة التعليمية بوجود التكنولوجيا الناشئة، كالذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي وإنترنت الأشياء عنصراً أساسياً في التطور والتغيير. وفي هذا السياق ندرج العناصر الأساسية في التعليم، كالمدرسة والمناهج التعليمية التربوية والمتعلم والمعلم والإدارة التربوية والنظرة المستقبلية التي يجب أن ندرسها جيداً لإجراء اللازم من وضع إستراتيجيات واضحة وخطط عملية لجميع مكونات المنظومة التعليمية على النحو التالي:
أولاً: مدرسة المستقبل
إن التطور المتسارع في التكنولوجبا الرقمية ووسائل الاتصال وتقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والواقع المعزز سيفرض شكلاً جديداً لمدرسة المستقبل من حيث دورها والبنية التحتية والإدارة التربوية، كما أنها ستكون مختلفة عن المدارس التقليدية من حيث التصميم والمساحات والمرافق، وعليه لن يكون هناك حاجة للفصول الواسعة والقاعات التقليدية، واستبدالها بالانفتاح على المجتمع المحلي وإبرام الاتفاقيات معه، وسيكون الاهتمام بالمتعلم كأساس للعملية التعليمية التعلمية، وجعل الفصل الدراسي قاعدة للتعلم والإبداع والتعاون. والجدير بالذكر أن حجم المعرفة لن يكون بأهمية مهارة المتعلمين على تطبيق معرفتهم في حل المشكلات، الأمر الذي يؤكد أهمية غرس مهارات التفكير والتفكير المنطقي والنقدي والقدرة على التعامل مع البيانات وتحليلها والعمل كفريق مع تشجيع التعلم التعاوني وخلق مساحة واسعة للنقاش والحرية في إبداء الرأي. وهذا الأمر يتطلب توفير بيئة تعليمية رقمية لإدارة المدرسة يكون لتقنية المعلومات وأدواتها دوراً أساسياً من أجهزة حاسوب وألواح تفاعلية وبرامج للتعلم ومنصات للتسجيل والحضور والغياب وبرامج طرح الأسئلة والامتحانات والتقييم.
ومدرسة المستقبل نوعان: الأولى لديها القدرة على التعليم الوجاهي والتعليم عن بعد، والنوع الثاني مدرسة تقتصر على التعليم عن بعد وتسمى بالمدرسة الافتراضية التي تعتمد على المنصات التفاعلية وغير التفاعلية.
وهذا النوع الثاني يتميز بالفصول الافتراضية المتزامنة، يلتقي بها المتعلمون مع معلميهم في وقت محدد بواسطة الإنترنت ومؤتمرات الصوت والفيديو، بالإضافة إلى فصول غير متزامنة تتم عن طريق دخول المتعلمين والمعلمين إلى شبكة الإنترنت في أوقات مختلفة بواسطة برمجيات وأدوات غير تزامنية، كالبريد الإلكتروني ومنتديات الحوار وغيرها. وفي كلا الحالتين فإن مدرسة المستقبل ستعنى ببناء متعلمين بمهارات شخصية ومعرفية وتطبيقية تجعلهم قادرين على اختيار مسارهم الوظيفي والمهني وما يتواءم ومتطلبات السوق واحتياج المجتمع.
ثانياًَ: المناهج الدراسية
تعدّ المناهج الدراسية ركناً أساسياً في إستراتيجية التغيير والتطوير لمواجهة تحديات السنوات القادمة، لذا فإن إعدادها يحتاج إلى معرفة بالتطور الهائل في المعرفة والتكنولوجيا الذي يشهده العالم، والحاجة الملحة لمعرفة ماهية المخرجات والمواصفات المطلوبة لتتواءم مع احتياجات سوق العمل والمجتمع للسنوات القادمة. وفي هذا السياق تظهر الحاجة إلى استحداث مناهج دراسية عصرية تتناسب والتطور التكنولوجي والثورة المعرفية. وعليه لابد ابتداءً بوضع الإطار الوطني الذي يحدد الاتجاهات المتوافقة مع الإستراتيجية التعليمية المستقبلية ووضع المعايير والأهداف والمخرجات وطرق القياس والتطبيق. ومن ثم تصميم المحتوى الجديد، الذي لابد أن يتميز بالمرونة والتفاعل والتوازن والتدرج المعرفي ودمجه بمهارات أساسية تغرس في مراحل التعليم الأساسية والتي تتضمن حث المتعلم على التفكير والتفكير النقدي واستخدام المنطق والقدرة على التعامل مع البيانات والأرقام وحل المشكلات والتفكير الريادي وتعزيز الجانب العاطفي والمواطنة إلى جانب مهارات التواصل اللغوية والرقمية. كما لابد من مشاركة المعلمين ومؤسسات المجتمع المحلي وأولياء الأمور وأصحاب المصالح في بناء المناهج الحديثة البعيدة عن الأساليب التقليدية من تلقين باتجاه واحد واستبدالها بالأنماط الحديثة والأنشطة التي تخدم العملية التعليمية التعلمية. وهناك أيضاً معلم المستقبل ومتعلم المستقبل بمفردات كثيرة ولكن لا يمكن ذكرها بالتفصيل هنا لمحدودية المجال المسموح لنا فيه.
الخلاصة
إن القرن الحادي والعشرين يفرض علينا إعادة النظر في منظومة التعليم كأحد أهم ركائز التنمية البشرية لتحقيق التنمية المستدامة لمواكبة استحقاقات المتغيرات العالمية والتقدم التكنولوجي واحتياجات المجتمع للسنوات القادمة، والذي يتطلب متعلمين بمهارات التعلم والتعلم المستمر الحديثة من القدرة على التفكير والنقد والتحليل والتواصل والمرونة والمناقشة وإتقان استخدام التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وغيرها، وهذا يتطلب إرادة سيادية للبدء بشكل جاد بوضع إستراتيجية تعليمية معاصرة لخلق بيئة تعليمية حديثة لعناصر المنظومة التعليمية من إدارة تربوية ومدارس ومعلمين ومتعلمين ومناهج دراسية بمشاركة مؤسسات المجتمع المدني والهيئات والنقابات.

ذو صلة