مجلة شهرية - العدد (573)  | يونيو 2024 م- ذو الحجة 1445 هـ

الأمير تركي بن عبدالعزيز يفوز بأول سباق للهجن

يصف صموئيل زويمر في كتابه (رحلات متعرجة في بلاد الإبل) الصادر سنة 1911م جزيرة العرب بـ(بلاد الجِمال) و(أم الإبل)، ويؤكد أنه لا يمكن مشاهدة الجمل بكامل جماله إلا في هذه البلاد. ويذكر أن هناك علاقة وثيقة بين الجمل وجزيرة العرب، لدرجة أنك لا تستطيع فهم العرب أو لغتهم دونه، فدون الجمل تصبح الحياة في جزء كبير من جزيرة العرب مستحيلة، ودون الجمل تفقد اللغة العربية بحد ذاتها الكثير من التعابير والكلمات وربما الكثير من أصواتها الصعبة، وعندما تتصفح قاموساً للغة العربية لا بد لك أن ترى في كل صفحة ذكراً لسفينة الصحراء الجميلة هذه، وشيئاً عن حياتها، لقد أعطاه العرب خمسة آلاف وسبعمئة وأربعة وأربعين اسماً مختلفاً، وليس بالنسبة للغة العربية فحسب بل بكل اللغات، ليسهب في وصف الجمل قائلاً: طالما الجمل على قيد الحياة فهو يعطي الوقود والحليب، وكذلك الوبر لصناعة الخيام والحبال والأغطية، وعندما يهرم يأكل العرب لحمه، ويستعملون جلده لصنع الأحذية، وعظام كتفه لصنع الألواح للدارسين.
يعكس الكلام السابق نظرة الآخر إلى الجمل، باعتباره رمزاً عربياً خالصاً. ولا شك أن حضور الجمل المكثف في الثقافة العربية يؤكد مشاطرته للعرب حياتهم في الصحراء ومشاركته في أفراحهم وأتراحهم، وفي سلمهم وحربهم، وحملهم وحمل أثقالهم آلاف السنين. ونظراً لمكانته عند العرب أصبح وحدة قياسية يقدّرون بها أثمان الأشياء، ويتعاملون بها في تجارتهم وفي أسواقهم، وكذلك تقدّر بها الحقوق كالديات والفدية والمهور وغيرها، فلا عجب بعد ذلك إن كانت ثروة الرجل العربي تقدر بحسب ما يمتلك من الإبل، سُئلت هند بنت الخس عن الإبل؟ فقالت: (هي أذكار الرجال، وأرقاء الدماء، ومهور النِّساء)
نجائب الإبل
وبينما تنقسم الإبل إلى أجناس وأصناف، فإن لنجائب الإبل الأصيلة عند العرب منزلة خاصة لا تقدر بثمن، ولذا فإن أصحابها يفتخرون بها، ويضنّون بها على غيرهم، كما قال الشاعر:
قَلَائِصَ لَا يَلْقَحْنَ إِلَاّ يَعَارَةً
عِرَاضاً وَلَا يُشْرَيْنِ إِلَاّ غَوَالِيَا
وكانوا لا يبيعون الإبل النجيبة، إلا عن اضطرار، ويسمونها (الحرائز)، ذكر علماء اللغة أن الحرائز من الإبل التي لا تباع نفاسة، لأن الإبل هي العدة الأولى للحروب، وهي وسيلة السفر الوحيدة التي يوثق بها لقطع التنائف، كما قال كعب بن زهير:
أمست سعاد بأرض لا يبلّغها
إلا العتاق النجيبات المراسيل
وكان الملوك وسادات القبائل يقنون الأصيل من الإبل، فكان النعمان بن المنذر يمتلك الإبل النجيبة النادرة، ومنها إبل عرفت بـ(عصافير النعمان)، وقد أمر للنابغة الذبياني بمئة ناقة من عصافيره، وكان للملك المنذر، ملك الحيرة، إبل نجائب، منهن إبل عرفت بـ(عصافير المنذر).
ومن نجائب الإبل الشهيرة عند العرب قديماً: القطريات، والأرحبيات، والصدفية، والجرمية، والداعرية، والجرشية، فيما نالت الإبل المهرية حظّاً واسعاً من الشهرة حتى زعم أنها من إبل الجن.
والهجان أصلها صفة للإبل البيض الكرام، يستوي فيها الفرد والجمع، والمذكر والمؤنث، يقال: جمل هجان وإبل هجان قال جرير:
سيكفيك العواذل أرحبي
هجان اللون كالفرد اللياح
ويجمع على الهجن والهجائن، وأصبحت الهجن وصفاً قائماً مقام الإبل مهما كان لونها، فيقولون: سباق الهجن، وله أصل في اللغة العربية قال الشماخ:
أعائش ما لقومك لا أراهم
يضيعون الهجان مع المضيع
وكانوا يسابقون بين الإبل. وسابق الرسول بين الإبل، وكانت ناقته القصواء سريعة الجري فسبقت مراراً. جاء في البخاري عن أنس -رضي الله عنه- قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم ناقةٌ تسمى العضباء لا تُسبق -قال حميد: أو لا تكاد تسبق- فجاء أعرابيٌّ على قَعُودٍ فسبقها، فشق ذلك على المسلمين، حتى عرفه، فقال: (حقٌّ على الله أن لا يرتفع شيءٌ من الدنيا إلا وضعه).
الجيش السعودي
وقد أطلق العرب المتأخرون على الإبل المعدة للركوب بشكل عام والتي تستخدم للغزو بشكل خاص مسمى (الجيش)، وكان ضمن شِعَب ديوان الملك عبدالعزيز وشعب ديوان ولي عهده وشعب ديوان نائبه في الحجاز شعبة خاصة بهذا (الجيش)، تتولى رعايته والاهتمام به، وخصص لهذا الجيش حماية خاصة، وكُلّف بها رجال أكفاء. ولا يخفى أن جل حروب توحيد المملكة العربية السعودية إن لم تكن كلها قامت على ظهور الإبل.
ويرى يوسف ياسين أن لفظ الجيش يطلق عادة على الجند أو السائرين للحرب، وفي نجد لا يُسار إلى الحرب غالباً إلا على الإبل المعدة للركوب، فسمّيت باسم راكبها، وهذا التجوّز معروف في اللغة العربية، وقسّم يوسف ياسين الجيش المعدّ للركوب أو نجائب الإبل في نجد في عام 1348هـ/1930م إلى ثلاثة أقسام: عُمَانية ظاهرية، وعُمَانية باطنية، وحرّة.
أما العمانية الظاهرية: فهي التي جُلبت من ظاهر عُمَان، وتكون طيّبة وصبورة على تحمّل المشاق أكثر من الباطنية، لأنها تربّى في بادية عُمَان ولا يقام عليها كما يقام على الباطنية.
وأما العمانية الباطنية: فهي التي نشأت في باطن عُمَان وقد رَبَت بين الحضر، فهذه تحتاج لطف وقيام عليها وقلّما يكفيها الرعي وحده. وهذان الصنفان من الإبل هما أعلى أصناف الإبل أو الجيش في نجد كافة، ولها بيوت محفوظة وأصول معروفة يتوارثها الآباء عن الأجداد، وقد تُجلب من عُمَان وتُستولد في داخل نجد فيخرج لها نسل قوي طيب.
أما الحرائر فأصلها من قبيلة الشرارات في شمال غربي جزيرة العرب، وأكثر منازلهم ومساكنهم في الجوف، وإبلهم أو جيشهم هذا هو في الدرجة الثانية بعد العُمانيات، وقد يحصل في الحرائر أنواع من الجيش ربما فاقت العمانيات.
أقدم سباقات الهجن
وعلى نهج العرب الأوائل كان العرب الأواخر يسابقون بين الإبل في سياق اهتمامهم بنجائب الإبل، قبل النشأة الحديثة والمنظمة لسباقات الهجن واتحاداتها المنتشرة في الدول العربية وغير العربية. أما في المملكة العربية السعودية فإن بعض المصادر التاريخية تشير إلى سباق بين الإبل أقيم في مرحلة ما قبل التوحيد، قد يكون أول سباق هجن نظّم في عهد الملك عبدالعزيز، وقد وثّق جون فيلبي قصة هذا السباق المقام في أبريل 1918م/ رجب 1336هـ، وكان من شهوده العيان، إذ يذكر أنه بينما كان الملك عبدالعزيز مخيماً في موضع شمال الرياض بحوالي 110 كيلو متر يسمّى (الشوكي) تفاخر الأمير تركي بن عبدالعزيز آل سعود (الابن الأكبر للملك) والأمير عبدالله بن عبدالرحمن آل سعود (أخو الملك) بنجائبهما العمانية الأصيلة، وكل منهما يرى بأن ذلوله أفضل من ذلول الآخر، فأنهى الملك عبدالعزيز النقاش بتقديم جائزة مقدارها 200 ريال لمن يفوز في السباق من موقع المخيم في الشوكي إلى مدينة الرياض، شريطة ألا يزيد الوقت المستغرق لقطع هذه المسافة عن 24 ساعة، اعتباراً من لحظة الانطلاق، وفي حين قبل الأميران هذا التحدي فقد أتيحت الفرصة للآخرين للاشتراك في السباق، فكان مجموع المشتركين 12 متسابقاً من بينهم الأمير سلمان بن محمد بن سعود، وبعد أن تناول المتسابقون طعام العشاء ونالوا بعده قسطاً من الراحة بدأ السباق بعد أن أرخى الليل سدوله، وبينما لجّت التكهنات في المخيم تلك الليلة حول نتيجة السباق، فإن الأمير تركي استطاع أن يحرز قصب السبق، إذ وصل إلى الرياض قبل فجر اليوم التالي بوقت قصير، أي أنه أكمل السباق بشكل مستمر خلال اثنتي عشرة ساعة فقط، بينما جاء الأمير سلمان بن محمد في المركز الثاني، ويرى فيلبي أن ذلك السباق كان اختباراً لقدرة التحمل أكثر منه للسرعة.
واللافت في هذا السباق أنه على الرغم من أن مسافته طويلة جداً إلا أنه تم تقييده زمنياً بحد أعلى من الساعات إذا تجاوزها المتسابق لا يستحق الجائزة، وهو ما يؤكد صعوبة السباق، وكنت أستغرب ذلك حتى وقعت على سباق آخر للهجن أقيم في الحجاز بعد ذلك بعشر سنوات، وتحديداً في يوم الأحد 8 رجب 1346هـ/ 1 يناير 1928م برعاية نائب الملك على الحجاز آنذاك الأمير فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، وتقرر أن يبدأ السباق من جدة وينتهي في مكة المكرمة، أي أن طوله حوالي 80 كيلومتراً بشرط أن تقطع هذه المسافة خلال ست ساعات فقط، وخصص للفائزين جوائز قيمة.
انطلق المتسابقون من جدة في حوالي الساعة الثانية بعد الظهر بينما وصلت إلى الباحة التي أمام قصر الملك عبدالعزيز في العدل بمكة المكرمة في حوالي الساعة الثامنة وخمس وأربعين دقيقة أول ذلول، واسمها (البابور) وهي من جيش الملك، ثم وصلت في الساعة التاسعة وخمس عشرة دقيقة (الشيخة) وهي ذلول فهد بن غشيان، ثم تلتها بعد خمس دقائق ذلول الشويمي، ولما كان المتسابقون قد تجاوزوا شرط السباق إذ قطعوا المسافة بأكثر من ست ساعات، فإن الجوائز لم توزع، وبسبب ذلك تقرر تنظيم سباق آخر لقطع المسافة بين جدة ومكة في خلال ست ساعات، وبالفعل انطلق السباق يوم الثلاثاء 17 رجب 1346هـ/10 يناير 1928م ولكن لم يتمكن المتسابقون في قطعها بأقل من ست ساعات وخمس وأربعين دقيقة.
وهو ما يشير إلى صعوبة معايير سباقات الهجن القديمة قياساً على معايير سباقات الهجن الحديثة، إذ إنها تجمع بين المسافات الطويلة جداً والمدة الزمنية المشروطة بحد أدنى، فهناك من يسبق ولكنه لا يفوز بالجائزة، ولعلنا بهذه المعلومات النادرة نلفت النظر إلى أهمية توثيق تاريخ الهجن وسباقاتها في المملكة العربية السعودية في سياق الاحتفال هذا العام بعام الإبل تحت إشراف وزارة الثقافة.

ذو صلة