مجلة شهرية - العدد (571)  | أبريل 2024 م- رمضان 1445 هـ

مــــن الأسر إلى القصر قصة فتية أووا إلى الكنيسة

للسبْق والإسراع إلى تلبية نداء القادة في تاريخنا العربي والإسلامي، فضلٌ وفضيلة، ومنزلةٌ جليلة، فاز بها السابقون بسبْقهم، وتخلّف عنها اللاحقون لترددهم في اللّحاق بالرّكْب. والحياة فرص لا تنتظر المترددين.
تبوأ السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار المكانة الرفيعة بين أفراد المجتمع الإسلامي الأول في المدينة المنورة؛ بفضل سابقتهم إلى الإسلام ونصرتهم له، وقد تقدمهم جميعاً في هذه المكانة الرفيعة -بعد النبي صلى الله عليه وسلم- أبو بكر الصديق، السابق الأول من الرجال إلى اعتناق الدين الحنيف. ولا شك أن هذه الأسبقية كان لها دور كبير في اختياره خليفة للمسلمين يوم السقيفة.
ثم كان السبق إلى المغازي وحضور المشاهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فضلٌ عظيم لا يُضاهى، ولأصحاب بدر القِدْح المُعلّى في ذلك. ويكفي الصحابي فخراً ورفعةً أن يُذْكر أنه من أهل بدر.
ومع انطلاق حركة الفتوحات في عهد أبي بكر، كان لطلائع الجيش الأولى المتجهة إلى العراق والتي استقرت بعد الفتوح في البصرة والكوفة، منزلة عظيمة بهما، عرفها الناس لهم بما نالته سيوفهم من شرفٍ، وجاهٍ، وفخرٍ، وأمجاد. هذه الطليعة التي باشرت القتال في المعارك الأولى في العراق، عُرفت بـ «أهل الأيام».
يعلّل المؤرخ هشام جعيط تسميتهم بأهل الأيام فيقول: (يعود لفظ الأيام، من حيث وقعه، إلى الجاهلية الأولى: حوادث صغيرة لا تكاد تدخل في التاريخ، ولكنها تطبع الوعي الجماعي بقوة. ولربما كان المقصود في نطاق أيامنا العراقية تكييف تلك الحرب القبلية إلى تكتيك الحرب الشاملة بين شعب وشعب). (الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية).
تعد معركة ذات السلاسل التي جرت في كاظمة، باكورة هذه الأيام الحافلة بالانتصارات، ثم تلتها أيام وأيام في أماكن متفرقة في جنوب العراق وجنوبها الغربي، وهي -حسب تسلسلها الزمني- المذار، الولجة، أُلِّيس، أمغيشيا، المقر، الحيرة، الأنبار، عين التمر، حصيد، المصيّخ، الزميل، الفَراض وهو يومها الأخير. وكل هذه الأيام جرت في عام واحد، وهو العام الثاني عشر من الهجرة، وكلها انتهت بانتصارات سريعة.
أعطت الأيام لأصحابها مكانة اجتماعية مرموقة في المِصرين (الكوفة والبصرة)، فكانوا أهل الحل والعقد والرأي والمشورة فيهما، كما أعطتهم أيضاً امتيازاً اقتصادياً، حيث فضلهم عمر بن الخطاب في العطاء على أهل القادسية، فأعطى أهل الأيام 3000 درهم/ سنوياً. وأعطى أهل القادسية 2500 درهم، (فقيل لعمر: لو ألحقت بهم أهل القادسية. فقال: لم أكن لأُلحق بهم من لم يدركهم).
بلغ فخر أهل الأيام بأنفسهم أنهم لا يذكرون المعارك التي جرت بعد أيامهم، حتى لو كان يوماً عظيماً مثل يوم القادسية! فكانوا يقولون: (نحن أصحاب ذات السلاسل. ويُسمُّون ما بينها وبين الفَراض ما يذكرون ما كان بعدُ احتقاراً لما كان بعد فيما كان قبل). (الطبري، تاريخ الرسل والملوك). ولا غرو أن يكون لأهل الأيام هذه المكانة العالية، فهم أهل السابقة والقِدْمة في بلادهم التي فُتحت بأيديهم. لكن العجب أن يكون لسبايا حروبهم، ولأبناء هؤلاء السبايا قدر ومكانة وصيت عال تجاوز مع مرور الأيام ما كان منها لآسريهم من أهل الأيام!
ففي يوم عين التمر، وهو حصن فتحه خالد بن الوليد، وجد في كنيسته أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل، فسألهم قائلاً: من أنتم؟ قالوا: رُهُن (أي رهائن كسرى). فقسمهم خالد في أهل البلاء (الذين أبلوا بلاءً حسناً في القتال)، وبعث خُمُسَهم إلى المدينة، فكان أول سبي دخل المدينة في خلافة أبي بكر الصديق، وعُرفوا بـ(سبي عين التمر).
جاء في مقدمة هذا السبي سيرين (والد محمد بن سيرين المحدث ومفسر الأحلام الشهير). كان سيرين يعمل قدور النحاس، ويقال إن أصله من بلخ (في أفغانستان الآن)، وهو من وضائع أوضعها كسرى ببلاده ثم نقلهم إلى عين التمر. (الوضائع هم الذين وضعهم كسرى، فهم شبه الرهائن، كان يرتهنهم وينزلهم بعض بلاده) (الفيروزآبادي، القاموس المحيط). أصبح سيرين مملوكاً لأنس بن مالك، وبعد إعتاقه صار مولى له. عاش في المدينة كواحد من أهلها، وتزوج صفية مولاة أبي بكر الصديق، وقد طيّبها ثلاثٌ من أمهات المؤمنين، وحضر زواجهما ثمانية عشر بدريّاً.
ومن السبي يسار، وهو جدّ محمد بن إسحاق، العالم الشهير صاحب المغازي. ألّف كتابه السير والمغازي بطلب من أبي جعفر المنصور، ليعلمها لابنه المهدي، توفي في بغداد عام 151هـ.
ومنهم أيضاً نصير، وهو والد القائد موسى بن نصير. كان نصير على حرس معاوية بن أبي سفيان. أما ابنه موسى فكان على خراج البصرة، ثم أصبح والياً على أفريقية، ثم والياً على المغرب والأندلس بعد الفتح الشهير في عهد الوليد بن عبدالملك.
ومنهم حُمران بن أبَان، مولى عثمان بن عفان، وكاتبه المقرب منه. كان حُمران وافر الحُرمة عند عبدالملك بن مروان، وقد ولي منطقة سابور في عهده. نزل البصرة وتوفي بها بعد عام 75هـ، روى عنه جماعة من كبار التابعين بالحجاز والعراق.
ومن السبي أبو عمرة، جدّ آل أبي عمرة، أصحاب الشأن الرفيع في الدولة الأموية، بدأ سطوع نجمهم مع عبد الأعلى بن أبي عمرة، الشاعر السفير. كان في صحبة والي مصر عبدالعزيز بن مروان، وصار سفيراً إلى أليون ملك الروم، ونجح في سفارته؛ فكافأه عبدالعزيز بإقطاعه أرضاً بالإسكندرية.
ولعبد الأعلى ثلاثة أبناء، أكبرهم عبدالرحمن، وهو معدود في الشعراء والخطباء البارعين. وأوسطهم عبدالله، وكان محدثاً وخطيباً وشاعراً معدوداً، عَهد إليه سليمان بتأديب ابنه أيوب. ارتفعت منزلته في عهد يزيد بن عبدالملك، ونشأت بينه وبين الوليد بن يزيد صداقة قوية. مدحه الفرزدق بعدة قصائد، منها قوله:
شكرنا لعبدالله حسن بلائهِ
غداة كفانا كل نكس مواكلِ
بجابية الجولان إذ عمَّ فضله
علينا وقِدماً كان جمّ الفواضلِ
وأصغر الإخوة الثلاثة عبدالصمد، وله حظ وافر -كأبيه وإخوته- من الشعر والأدب، والخطابة، والثقافة، والسياسة. وكان مربيّاً للوليد بن يزيد ونشأت بينهما صداقة متينة.
ومن سبي عين التمر أبو فروة واسمه كيسان، وسبب كنيته أنه أُدخل المدينة وعليه فروة. اشتراه عثمان بن عفان من سيده، فأعتقه، وجعله يحفر القبور، فلما قامت الفتنة، وخرج الناس على عثمان، قال أبو فروة لعثمان: (يا أُثمان رُدّ المذالم (أي رد المظالم). والتحريف بسبب عُجمة لسانه)، فقال له عثمان: (أنت أوّلها، ابتعتُك من مال الصدقة لتحفر القبور فتركت ذلك). (البلاذُري، أنساب الأشراف).
ولأبي فروة من الولد عبدالله، وهو كاتب مصعب بن الزبير وأنيسه، وكان من سُراة الموالي.
ومن أحفاد أبي فروة، الحاجب والوزير الربيع بن يونس، وزير أبي جعفر المنصور والمهدي، وهو الربيع بن يونس بن محمد بن أبي فروة. وابنه الفضل بن الربيع وزر للرشيد وابنه الأمين. ولمّا دخل المأمون بغداد وانتصر على أخيه الأمين، خرج بعض أفراد بيت الفضل بن الربيع من العراق واتجهوا إلى إيران خوفاً من بطش المأمون بهم، واستقروا في مدينة جوين بإيران؛ فعرفوا بالجوينيين. ولم تكن هذه نهاية أمجادهم؛ فقد (احتل آل جويني مناصب إدارية عالية في دول سلاجقة إيران والخوارزمشاهيين والمغول، وكانت وظيفة صاحب الديوان غالباً ما تسند إليهم، ولذا عرف معظم أفراد الأسرة بهذا اللقب). (القزويني، مقدمة كتاب جهان كَشا). ومن أشهرهم إمام الحرمين أبو المعالي عبدالملك الجويني. ومنهم علاء الدين عطا ملك الجويني، حاكم بغداد بعد سقوطها في يد المغول، وقد حكم بغداد مدة طويلة امتدت من عام 657هـ حتى عام 681هـ، قام خلالها بإعادة إعمار بغداد بعد الخراب الذي طالها من غزو المغول، وألّف كتاب (جهان كَشا) في تاريخ المغول. ويعد هذا الكتاب مرجعاً أساسياً في موضوعه، وقد وصفه الدكتور أحمد خالد البدلي بـ(معلمة الجويني التاريخية)، وأنه (أدق وأصدق التواريخ الإسلامية التي أرخت للمغول). (البدلي، علاء الدين عطا ملك الجويني وكتابه التاريخي (جهان كشا).
أخيراً أقول: ما كان لفتية كنيسة عين التمر ولا أبنائهم من بعدهم أن يصلوا إلى أعلى المناصب وأشرف المراتب؛ لو لم تَقْدِم عليهم خيل خالد بن الوليد لتحررهم من رق العبودية الفارسية التي حكمت عليهم بالبقاء في طبقة دونيّة وفق سُلّم تراتبي صارم وضعهم في الطبقة الأخيرة المسحوقة من المجتمع.
لقد منحت الدولة العربية الإسلامية لهؤلاء الفتية حياةً كريمة، وآمالاً عريضة، بدؤوا معها يحلمون لأول مرة في حياتهم بمستقبل مشرق لهم ولأبنائهم، وقد تحقق لهم ذلك في ظل دولة لا تحكم عليهم بأبديّة الخلود في أسفل المراتب، بل تعطي الحق للجميع في تسنُّمِ ذِروة المجد.

ذو صلة