مجلة شهرية - العدد (571)  | أبريل 2024 م- رمضان 1445 هـ

المتعلم الذي نريد

في عصر العولمة والتكنولوجيا المتقدمة وما يشهده عالمنا من مظاهر للتغيير والتسارع وتزايد معدلات الابتكار والتطور، وما تقف أمامه المؤسسات التعليمية في دولنا العربية من تراجع في مستوى المخرجات التعليمية، وتعاظم الفجوة بين متطلبات أسواق العمل ومهارات المتعلمين، والتزايد الهائل في أعداد المتعلمين على حساب نوعية المتعلم وما يمتلكه من كفاءات ومهارات وغيرها الكثير من التحديات، تواجه المؤسسات التعليمية - وفي مقدمتها المدارس - تساؤلاً كبيراً عن نوعية المتعلم الذي نريد؟ والمعلم الذي نريد؟ والمدرسة التي نريد؟
ففي الوقت الذي هيمنت به ولعقود طويلة المهارات المتعلقة بالتوظيف والحصول على فرصة عمل على سياسات التعليم وتوجهاته وبرامجه وخططه في مؤسساتنا التعليمية، وعُدّت العلامة الكاملة فيه مقياساً للنجاح والتميّز، تأتي التغيّرات الهائلة والتطور المتسارع في هذا العصر لتفرز لنا نوعاً جديداً من المهارات للتعليم ولتثبت لنا أن النجاح مؤخراً أصبح يقاس بما يمتلكه المتعلم من هذه المهارات، المهارات التي تلبي تغيرات القرن الجديد وتقدم لنا المتعلم الذي نريد، القادر على التعايش مع كافة هذه التغيرات لا الاستسلام لها، الذي يسعى لصناعة فرصة عمل لا البحث عنها، المواكب لكل ما هو جديد وريادي ومبتكر لا القادر فقط على استقبال المعلومات والاحتفاظ بها، المزود بالمهارات التي تمكنه من التفاعل مع مجتمعه وبنائه، تحت مسمى (مهارات القرن الحادي والعشرين).
وتعرّف مهارات القرن الحادي والعشرين بأنها مجموعة المهارات التي يحتاجها العاملون في بيئات العمل المختلفة ليكونوا أعضاء فاعلين ومنتجين ومبدعين ومتقنين للمحتوى المعرفي اللازم للنجاح تماشياً مع المتطلبات التنموية والاقتصادية للقرن الحادي والعشرين، كما يمكن القول بأنها المهارات التي تمكن المتعلم من التفاعل والتعامل مع تطورات الحياة في القرن الحادي والعشرين كمهارات التفكير والقيادة وحل المشكلات وتحمل المسؤولية والإبداع والتكيف مع المتغيرات.
وفي الوقت الذي اختلفت فيه الدراسات في تصنيف أو تحديد طبيعة هذه المهارات، إلا أنه يمكن الإشارة لها في ثلاث مجموعات، وهي: مهارات الثقافة الرقمية (الثقافة الإعلامية والثقافة المعلوماتية وثقافة تقنية المعلومات والاتصالات)، ومهارات التعلم والإبداع (التفكير الناقد والاتصال والتشارك وحل المشكلات والابتكار والإبداع)، ومهارات الحياة والعمل (المرونة والتكيف والمبادرة والتوجيه الذاتي والتفاعل متعدد الثقافات والتفاعل الاجتماعي والمساءلة والإنتاجية والمسؤولية والقيادة)، وفي الوقت الذي يتبادر لذهن البعض أن هذه المهارات ذاتها التي اكتسبناها في فصولنا ومدارسنا وأنماط تعليمنا التقليدية فلماذا سميت بمهارات القرن الحادي والعشرين؟! تتمثل الإجابة ببساطة في أن هذه المهارات التي تفرضها ملامح المستقبل وترسم إطارها ما تتنبأ به معطياته من وظائف محتملة لا تتطلب إلا امتلاك من سيشغلها من المتعلمين القدرة والكفاءة العالية في توظيف هذه المهارات على الصعيدين الشخصي والعملي.
وفي ظل كل ما يحققه امتلاك مهارات القرن الحادي والعشرين للمتعلمين في مؤسساتنا التعليمية من تطوير لكفاياتهم المعرفية والنفسية والمهارية، وتمكينهم من مهارات التفكير الناقد وحل المشكلات وتنمية مهارات التواصل والتعاون والتثقيف والقابلية للتكيف والمرونة والإبداع، وإعدادهم لمواجهة التغيرات المتسارعة وتهيئتهم لمستقبل مليء بالاكتشافات والاختراعات والتقنيات المستحدثة غير المألوفة، وما نشهده من توجه عالمي ومبادرات دولية غير مسبوقة في استحداث نمط جديد من التعليم القائم على التفكير والمشاريع والتجربة والتعامل مع البيانات الضخمة وتوظيف التقنية، وتكييف التعليم ليصبح أكثر ملاءمة للعصر الحالي وأكثر استجابة للتغيرات والمشاكل وأكثر قدرة على إعادة اكتشاف الموارد المحلية وفهم خصائصها والتعامل معها وأكثر تلبية لاحتياجات المجتمع ومتطلباته، لابدّ من تحديد موقعنا والوقوف أمام حقيقة (أين مدارسنا من مهارات القرن الحادي والعشرين)؟!
ليلاحظ المتتبع لواقع مدارسنا أنه ورغم الإقبال المتزايد على التعليم والانخفاض الكبير في نسب الأمية ودخول الحواسيب والتقنية للفصول الدراسية وتحديث بعض المقررات والبرامج والاهتمام بإعداد المعلمين وامتلاكهم الكفايات اللازمة والميزانيات الكبيرة المخصصة للتعليم في بعض الدول العربية - دول الخليج خاصة - وما أحدثته شبكات الاتصالات والهواتف الذكية والإنترنت من زيادة في القدرة على الوصول إلى المعرفة ومصادر المعلومات بكل سهولة ويسر والتوسع في عقد الشراكات والاستفادة من صناع البرمجيات وشركات التقنية التعليمية العالمية لتطوير التعليم وجعله أكثر متعة وفائدة، جميعها جهود - ورغم أهميتها - لم تحقق لنا بعد شكل التعليم الذي نطمح ونريد، ولم تقدر على إكساب متعلميها (مهارات القرن الحادي والعشرين) بالشكل الذي يضمن لنا أفراداً ومجتمعات صناعة حياة أفضل، نكون فيها نحن أصحاب الثقافة والصناعة والحداثة، ونحن محدثو التغيير لا تابعوه واللاهثون خلفه وحسب.
وهنا، نشير إلى مقولة قديمة لبرتراند راسل (Bertrand Russell) عالم الرياضيات البريطاني: (تواجهنا حقيقة متناقضة وهي أن التعليم أصبح أكبر العراقيل في وجه الذكاء والحرية الفكرية)! لنصل لحقيقة مفادها أن مشاكل التعليم ليست محددة في منطقة أو دولة دون أخرى، بل هي مجموعة الظواهر والعادات التي اكتسبها نظام التعليم جيلاً بعد جيل دون دمج المعرفة والتطور في وسائل التعليم وبرامجه وأساليب تقييمه، باستثناء بعض الدول والأنظمة التي بدأت باتخاذ خطوات واضحة نحو التقدم التعليمي الذي أصبح ضرورة لابد منها! وأن (متعلم القرن الحادي والعشرين) ليس بحاجة للمدارس فقط للتعلم لأن مصادر المعلومات والمعارف كثيرة ومتنوعة، بل بحاجة لمدارس تنظر للتعليم بشكل مختلف يجعله تعليماً مثيراً للشغف والعقل ويساعد في تبني روح المبادرة والابتكار ليحقق له كل جميل ومفيد وريادي لذاته ومجتمعه وعالمه، تعليم يتمثل قلباً وقالباً (مهارات القرن الحادي والعشرين).

ذو صلة