(بدوية أردنية تكتب القصص البوليسية).. بهذا العنوان احتفت الصحافة الغربية بـ(ديانا أبو جابر)، الروائية الأمريكية من أصل أردني، بعد أن نالت جائزة بن سينتر للقصة الأدبية عام 2004 عن روايتها (هلال)، في حين صنفت هذه الرواية ضمن أفضل عشرين عملاً روائياً للعام 2003 من قبل صحيفة (كريشيان ساينس مونيتور) الشهيرة. كما حصدت رواية (الجاز العربي) جائزة كتاب أوريغون ورشحت لنيل جائزة بين فولكر.
وباستثناء أبو جابر فإن روائيين أردنيين لم يتطرقوا من قبل إلى سؤال (الرواية البوليسية)، ربما لأن (الحياة لم تطرح أسئلتها بهذه الاتجاهات) كما يقول هاشم غرايبة لـ(المجلة العربية)، أو لأن هذا الفن وليد في المجتمعات الغربية التي ترتكز على الإنسان-الفرد، لا على مجتمع عربي يحتكم إلى قوانين القبيلة كما ترى كفى الزعبي، وهو الأمر الذي يؤكده إياد نصار، وهاني أبو أنعيم.
الروائي الأردني هاشم غرايبة يقول: كنت في سن المراهقة مغرماً بسلسلة روايات عالمية، فقرأت روايات أجاثا كريستي وشرلوك هولمز وأرسين لوبين، وفي السينما والتلفزيون شاهدت أفلاماً بوليسية كثيرة. وكثيراً ما شغفت براويات دان براون وأعجبت برواية اسم الوردة، وحسدت زوسكند على روايته العطر. ويتساءل غرايبة: لكن كل هذا لم يدفعني لكتابة رواية بوليسية، ولم أفكر بذلك من قبل. ويتابع: قرأت أيضاً روايات ميلان كونديرا الحافلة بفضائحية راقية، وقرأت كتابات باولو كويلو ذات الأسئلة المترفة، واستمتعت برواية جورج ويلز (آلة الزمن). وشاهدت كثيراً من أفلام الخيال العلمي لكنني لم أفكر حتى الآن بالكتابة في أي من الحقول التي ذكرتها سابقاً.
وفي إجابة من مبدع رواية (بترا، ملحمة العرب الأنباط) يقول: ربما لم تطرح علي الحياة أسئلتها بهذه الاتجاهات.. بل طرح الواقع العربي الذي أعيشه أسئلة الحرية والتحرر والديمقراطية وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية، ووضعت الحياة أمامي قضايا الجهل والفقر والقمع والتزمت العقائدي.
ويتابع حديثه: لدينا بوليس ومجرمون، ولكن الطريق بينهما ليست ملفوفة بالأحاجي والألغاز؛ فعندنا جرائم يعتد بها مرتكبوها، بل ويتباهون بارتكابها كجرائم الثأر وجرائم الشرف وجرائم (العنطزة). ومع سيادة الروح القبلية والصلحات العشائرية والقضاء الموازي من أين ستتشكل أسئلة الرواية البوليسية؟. ويرى أنه في ظل غياب سيادة القانون وميوعة الدساتير العربية؛ فما معنى أن تجمع أدلة ضد الجاني لتواجهه بها أو لتترافع بها أمام محكمة؟ (قتل زيد عمراً)، البوليس سيتولى ضرب (المشتبه به) حتى يعترف أو يموت!. وعندما تروي قصة على هذا المنوال فستذهب بك الأحداث إلى الرواية الاجتماعية، وتقودك إلى سؤال حقوق الإنسان، قبل أن تحفزك لكتابة رواية بوليسية، أو أن تؤلف واقعاً هجيناً مضحكاً كما فعل بعض من تنطعوا للكتابة لسد الفراغ، فالرواية البوليسية ليست غائبة بالمعنى الشكلي بل غائبة بمعنى الحضور المؤثر!.
ويشير في حديثه إلى أنه ليس مع تأثيث المشهد الثقافي العربي بمواصفات عالمية، لأنه مشهد يتأثث بما يؤرق مثقفوه المشغولون بمحاولة صياغة أسئلتهم الخاصة في مواجهة تخلف مجتمعاتهم، وعندنا فائض من القضايا الخلافية: الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والتنموية والاقتصادية والفلسفية والفكرية، وعندنا شح في القضايا البوليسية الغامضة، وتخلف في المجال العلمي والتكنولوجي، وهذا ينعكس بالضرورة على الأدب والفن ويؤثر في شكل الرواية وموضوعاتها.
وفي المقابل يرى أن الوفرة المادية واحترام الفرد وحقوق المواطنة وسيادة القانون وحرية الصحافة والتقدم العلمي والتكنولوجي الهائل في الغرب وفرت للمجتمع ترف الأسئلة في الجنس والجريمة وكشف المستور، وانعكس ذلك في الرواية والسينما وشتى أنواع الفنون من بينها وليس أهمها الرواية البوليسية.
وحول قصور النقد العربي عن (الأدب البوليسي) يقول غرايبة: سؤال النقد يبدو مضحكاً هنا، في مجتمع يعتبر فيه (الشك) سبة، ويعتبر فيه (مطلق النقد) ترفاً لا لزوم له. في هكذا مناخ يغرق المعيار النقدي في الوسطية والتصالحية والمصالحية وخلط الأوراق، ويصير النقد الأدبي (هبشاً) من مصادر غربية بلا تمحيص، أو أخذ بموروث نقدي ليس صالحاً لكل زمان ومكان.. ويصير النقد الحصيف سلعة نادرة أو ضائعاً في بحر من الرسائل الجامعية التي لا تضر ولا تنفع.
غياب الأدب البوليسي أمر طبيعي
الروائية الأردنية كفى الزعبي ترى أن غياب الرواية البوليسية أمر طبيعي، لأن الرواية كجنس أدبي هي من نتاج المجتمع الغربي، وهي عموماً فن مستورد من الغرب، ظهر في أوروبا في سياق تطور حضاري معين. وكما يقول الكاتب التشيكي ميلان كونديرا فقد استطاعت الرواية الأوربية أن تصنع لنفسها تاريخها الخاص بها، التاريخ الذي تطورت فيه تطوراً طبيعياً ضمن نسق خاص، من الرواية الكلاسيكية إلى الرواية الحداثية ثم إلى ما بعد الحداثية. وتضيف: وهنا تكمن بعض إشكالات الرواية العربية التي استوردت الرواية كجنس أدبي من الخارج، واستوردت أيضاً أشكال تطورها من غير أن تعكس أشكال هذا التطور الواقع العربي بخصوصيته وخصوصية تطوره.
وتضيف الزعبي: إن الرواية البوليسة تعكس إلى درجة كبيرة -حتى لو كانت حبكتها وأحداثها متخيلة- جانباً من جوانب الحياة المدنية؛ الجريمة والملاحقات البوليسية والتحري. بمعنى آخر هذه الرواية هي أيضاً وليدة سياقها التاريخي والاجتماعي والحضاري؛ فهي وليدة لظهور الإنسان-الفرد في المجتمعات المدنية المتطورة، الفرد كذات مستقلة تتمتع بحقوق وتعي هذه الحقوق، وتطالب بها. أما المجتمع العربي، والأردني بالذات -بما أن السؤال هو حول الرواية البوليسية الأردنية- لا يزال خاضعاً لقوانين المجتمع القبلي، هذه القوانين والمعايير التي لا ترفض الاعتراف بالإنسان كفرد وحسب، بل وتلجأ في معظم الأحيان إلى حل المشاكل المتعلقة بالجريمة على أسس عشائرية.
وتتابع صاحبة رواية (ليلى والثلج ولودميلا): إن هناك أسباباً متعلقة بأشكال الجريمة نفسها، فالمجتمع المدني قد أنتج بدوره أشكالاً جديدة من الجريمة (المنظمة وغير المنظمة) التي أغرت خيال الكتاب، فكتبوا هذا الصنف من الرواية، ولعل الديمقراطية والحرية وحرية العقل في المجتمعات المدنية قد أسهمت أيضاً بتطور هذه الرواية، فنقرأ فيها تخطيطاً للجريمة وملاحقات وتحريات وكشف للألغاز...إلخ، وهذه كلها تحتاج إلى حرية وإلى عقل حر (سواء كان شريراً أو خيّراً) في حين أن العقلية القبلية والرغبة في تقديم صورة جميلة للواقع، صورة خالية من الجريمة والمجرمين قيدت بدرجة كبيرة ربما الجريمة المتطورة كما قيدت الكتابة عنها في الوقت نفسه.
وتؤكد الزعبي أنها ترى الرواية السياسية العربية وبدرجة ما رواية بوليسية، لكنها لا تتناول جرائم فردية، ولا يبدو فيها المجرم خفياً يتطلب الأمر البحث عنه وتقصي أثره بل هو مجرم واضح للعيان. أظن أن القمع التاريخي للإنسان العربي الذي ظل على مدار قرون -ولا يزال- يشعر بنفسه ضحية لأنظمة بوليسية تقترف الجرائم بحقه في وضح النهار، قد جعله بمعنى ما بطلاً ملحمياً في رواية بوليسية طويلة مازلنا نعيشها. ولعل هذه هي روايتنا البوليسية الكبرى التي يجدر بنا قراءتها بتروٍ قبل أن نحاول كتابتها بعمق.
النقد الغربي لم يحتفِ بالأدب البوليسي
يقول القاص والناقد إياد نصار: إن الرواية البوليسية هي ذلك النوع من الروايات الذي يعنى بتقديم عالم الشر المرتبط بالنوازع الإجرامية لدى الإنسان من خلال توظيف الأسرار الغامضة الخفية لعالم الجريمة والتحقيقات الجنائية التي ترافقها، وتقديمها في بنية سردية مع ما يكتنفها من تشويق وإثارة من خلال الكشف عنها تدريجياً، بما يحفز رغبة القارئ في إشباع رغبته لمعرفة كنه هذا الجانب. مضيفاً: إن الرواية البوليسية تتسم بالتركيز على صوغ حبكة تمتاز بالتعقيد والتشابك والميل إلى الفعل أكثر من التأملات النفسية والفلسفية لعالم الإنسان الجواني، وتعتمد على قوة الحدث واستمراريته على نحو يخلق الإحساس بحركية الرواية والانتقال عبر المكان والزمان بما يضمن شد انتباه القارئ للمتابعة.
ويرى نصار أن الأدب البوليسي رغم ازدهاره عالمياً من حيث الانتشار والتوزيع الهائلين، ووجود الجوائز التي تكرم كاتبيه، والصحف التي تعرض لمثل هذا النوع من الكتابات، إلا أن الأدب البوليسي، وأقصد هنا القصة والرواية، لم يحظ بمكانة كبيرة في الأدب الغربي نفسه، فيما يتعلق بالدراسات النقدية.
ويؤكد أن: الأدب البوليسي أو أدب الجريمة بشكل عام، سواء في الأردن، أو الأقطار العربية، لم يحظ بمكانة أو انتشار أو حتى اهتمام نقدي إلا فيما ندر، وهناك عدة أسباب موضوعية لذلك، حيث يستلزم الأدب البوليسي وجود مجتمع مدني متطور، يمتاز بتعقيد الحياة المدنية، وتعدد العلاقات الاجتماعية والمهنية والعاطفية والإنسانية، وتضارب المصالح، والصراعات حول المادة والمكانة التي تنشأ عنها بالضرورة مشكلات وجرائم ذات دوافع مختلفة. أما المجتمع العربي فحتى وقت قريب كان يمتاز بأنه مجتمع ريفي قروي أو بدوي في أغلبه، وأما المدن فكانت تمتاز بصغرها، وقلة عدد سكانها، الذين تجمعهم روابط اجتماعية أو عائلية قوية.
ويتابع صاحب المجموعة القصصية (قليل من الحظ): من ناحية أخرى فإن هذا النوع من الأدب يعتمد على فكرة انتشار الجريمة حتى تصبح مظهراً مألوفاً من مظاهر حياة المجتمعات المعاصرة، ورغم انتشار الجريمة كثيراً هذه الأيام، وارتفاع وتيرتها في مجتمعاتنا، إلا أنها ظاهرة حديثة لم تتعمق بهذه المعدلات العالية إلا في أواخر الثمانينات من القرن الماضي مع الأزمة الاقتصادية الحادة، التي عصفت بالأردن عقب انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وهبوط الدينار بشكل حاد، وانتشار الفقر والفساد وبروز الفوارق الطبقية الحادة بين أغلبية فقيرة وأقلية ثرية، وتدهور الطبقة الوسطى.
وفيما يتعلق بتصنيفات الأدب البوليسي يقول: إن هنالك مشكلة في التصنيف قائمة وموجودة في الأدب الغربي قبل أن تكون مشكلة نقدية لدينا. يعد بعض النقاد الأدب البوليسي جزءاً من أدب الجريمة بمفهومه الواسع، وتندرج تحته روايات التحري والشرطة السرية والمباحث، وهناك روايات مستمدة من أروقة المحاكم وملفات القضايا ذات الطبيعة الإنسانية المأساوية التي تستدر عاطفة الإنسان واستغرابه وحزنه وذلك إما لوحشية المأساة التي تجعل من قلب الإنسان أقسى من أكثر الحيوانات المتوحشة افتراساً، وإما لفداحة الظلم والإجحاف الذي لحق ببعض الناس الى حد يكاد العقل لا يتصور أنه يمكن أن يقع. مشيراً إلى أن هناك روايات النزاعات القانونية وصراعات المحامين والمدعين وما يترتب عليها من معارك قانونية ضارية ومضنية من مواجهة النصوص القانونية والذرائع والقوانين والتشريعات التي قد تحيل حياة الإنسان إلى جحيم إذا دخل دهاليزها المظلمة. غير أن هناك من يرى الأدب البوليسي جزءاً من أدب الغموض والإثارة عامة، الذي يشمل أيضاً روايات التجسس والمؤامرات السياسية والنشاطات العسكرية السرية.
غياب رجل البوليس في الرواية
في روايته (أشطيو) لهاني أبو أنعيم؛ يقول الكاتب على لسان قائد المخفر الأمني، خلال فترة خمسينات وستينات القرن الماضي قالوا إن مشاكل الناس هنا صغرت أم كبرت يحلها كبار القرية وفيما بينهم ولا يحبذون أن يتدخل بينهم غريب، ويحرصون على ألا يعلم أحد بخلافاتهم.
وانطلاقاً من المقطع السابق، يرى أبو أنعيم أن بساطة الحياة، وقلة التعقيدات، وتشكل الجماعات قليلة العدد المؤتلفة على أساس القربى والعشيرة، والمعتمدة في حياتها على الزراعة ورعاية المواشي والتجارة المتواضعة البسيطة؛ تسبب في غياب الرواية البوليسية عن ذهن الروائي الذي كان ولا يزال مبرراً، رغم الانتقال إلى حياة أكثر تعقيداً وظهور حالات الجريمة غير المنظمة ومخالفات خطيرة للقوانين، إلا أنها تبقى حالات فردية؛ فالاعتماد على رجل البوليس يقتصر على الحكومة وحماية الأفراد والممتلكات وهي من واجبات الدولة أيضاً، على عكس ما هو قائم في الغرب.
ويستطرد قائلاً: إن شعور الأفراد بتوفر حياة آمنة يعيشونها يلغي أو يحد من دور رجل البوليس في تفاصيل حياتهم خاصة في ظل وجود تقاليد وأعراف عشائرية متبعة تهتم بحل الخلافات وتصون الحقوق وتتكفل بها وتضمنها وعليه نجد أن دور رجل البوليس كان ومازال ثانوياً وعابراً في أي عمل روائي.