في الحديث عن الرواية البوليسية العربية -إذا صحت التسمية- يتشعب الكلام، ويأخذ مسارات متعرجة، ملتبسة؛ لا لوفرة هذا النوع الروائي الخاص؛ بل على العكس لندرته، وظهوره الخجول ضمن المشهد الروائي العربي. ولا تعد سوريا استثناء في هذا المجال، بل تكاد تكون نموذجاً مثالياً عن قلة الروايات البوليسية، ومثل هذه الحقيقة تقودنا إلى البحث في أسباب انحسار الرواية البوليسية على حساب روايات أخرى تطرح مختلف المواضيع، لكنها تنأى عن الميدان البوليسي.
وفي التعريف العام الشائع فإن الأدب البوليسي، رواية كانت أم قصة قصيرة أم نصاً مسرحياً؛ هو ذلك الأدب الذي يستهل بجريمة غامضة ثم تبدأ تحقيقات البوليس أو (التحري الخاص) لكشف ملابسات هذه الجريمة. وفي الطريق نحو كشف القاتل، يعتمد الكاتب قالباً سردياً مشوقاً يثير فضول القارئ ويحبس أنفاسه حتى لحظات معرفة هوية القاتل التي لا تظهر، عادة، إلا في الصفحات الأخيرة.
ويعتبر الكاتب الأمريكي إدغار آلان بو (1809-1849) مؤسس القصة البوليسية وذلك عبر قصته المعروفة (عمليات القتل في شارع مورغ)، ويُعد السير آرثر كونان دويل (1859-1930) مبتدع شخصية شارلوك هولمز الخيالية. كما تأتي البريطانية أجاثا كريستي (1890 - 1976) والفرنسي جورج سيمنون (1903 - 1989) من أبرز أعلامها. وقد خاض الكثير من مشاهير الأدب -بهذا القدر أو ذاك- هذا النوع الروائي الذي حظي بشعبية واسعة، من أمثال الروائي الروسي ديستوفسكي في (الجريمة والعقاب)، والأمريكي إرنست همنغواي في (تملك أو لا تملك)، والمسرحي السويسري فريدريش دورنمات الذي كتب لحاجته الماسة للنقود قصة بوليسية ساخرة بعنوان (القاضي وجلاده)، كما يعتبر الكاتب الأرجنتيني بورخيس من رواد الرواية البوليسية في أمريكا اللاتينية. ورغم التصنيف (المدرسي) الذي سعى إلى تأطير الأدب البوليسي ضمن قوالب وتقنيات محددة؛ غير أن هذا الأدب كان يتطور باستمرار، ويبحث كتّابه عن أشكال وتقنيات سردية جديدة، حتى ظهرت رواية الجاسوسية التي ازدهرت خلال القرن العشرين، وغذتها أحداث سياسية وعسكرية عاصفة مثل الحربين العالميتين. ومن أشهر الشخصيات التي ابتدعت في هذا السياق شخصية جيمس بوند، وهي شخصية خيالية لجاسوس بريطاني أبدعها المؤلف إيان فليمنغ في عام 1953م، إذ كتب عدة روايات وقصص قصيرة من بطولة بوند خلال حياته حتى مماته في 1964م، ثم استعار كتاب آخرون شخصية بوند التي اشتهرت على نحو واسع من خلال شاشة السينما.
ويعزو الكثير من الباحثين والنقاد سبب تراجع وانحسار الرواية البوليسية في العالم العربي إلى ضيق مساحة الحريات، وقد تبدو العلاقة بين الرواية البوليسية وبين مساحة الحرية المتاحة، غريبة، للوهلة الأولى؛ غير أن التدقيق في طبيعة الرواية البوليسية يجعل من هذا الربط أمرا أكيداً. من المعلوم أن الرواية البوليسية تنهض، أساساً، على الأسئلة التي تقود إلى كشف ملابسات هذه الجريمة أو تلك، والسؤال لا ينمو ولا يزدهر إلا في فضاءات حرة. بهذا المعنى يجد كاتب الرواية، الذي يعتزم خوض غمار تجربة الرواية البوليسية؛ بأنه محاط بقيود كثيرة، إذ تحاصره الرقابة، لا بل الرقابات، من كل حدب وصوب، فيستنتج، عندئذ، أن عمله البوليسي المنتظر سيخرج ناقصاً، مبتوراً طالما أن (فضيلة السؤال) محفوفة بالمخاطر، وبقائمة طويلة من الأوامر والنواهي، فيتجه إلى عوالم أخرى كي يصوغ روايته المنتظرة. وهذا ما يلاحظه الكاتب والروائي السوري رفيق شامي الذي يقول: (أول سبب في غياب الرواية البوليسية، شبه الكلي، هو غياب الحرية في كل البلدان العربية)، ويوضح شامي، المقيم في ألمانيا: (أنا أعني بالضبط نوعاً خاصاً من الحرية مفقوداً بالتمام والكمال، وهو حرية طرح أي سؤال على أي شخص كان. الرواية البوليسية تعيش وتموت مع السؤال، السؤال هو أول خطوة باتجاه الحقيقة، وهو بنظري ابن الحرية لكنه مقموع ومُصادر). ويضيف شامي في بحث منشور له: (الرواية البوليسية مقياس غير مباشر للديمقراطية والحرية، وهي بالتأكيد ليست مقياساً دقيقاً، لكن وضعها يعطي صورة جيدة عن وضع المجتمع)، مستنتجاً أن القارئ (يجد في الأدب العربي كل أنواع الروايات إلا البوليسية، فهذه الأخيرة قارة شبه مجهولة في أطلس الرواية العربية).
ويعزو آخرون سبب هذا الغياب إلى الصفة التي التصقت بالرواية البوليسية التي ظلت لقرون منبوذه باعتبارها مادة (للتسلية واللهو المجاني وتزجية الوقت)، وساد هذا الانطباع إلى درجة أن نقاد الأدب وباحثيه راحوا يتعففون عن مقاربة الرواية البوليسية وتحليلها بوصفها أدباً خفيفاً؛ عابراً لا يستحق عناء البحث فيه. وهنا يقول شامي: (إن هوة عميقة فصلت النقاد والأكاديميين عن القراء، وأكثر ما تظهر هذه الهوة بوضوح في حالتي الرواية العجائبية الشعبية والرواية الجنائية البوليسية). وكلاهما اُحتقر في قاعات الجامعات وعلى صفحات مجلات النقد الأدبي لقرون حتى أرغم بعض الكتاب العالميين هؤلاء المنظرين أن يصمتوا أو يقفزوا إلى القطار الذي أوشك أن يغادر المحطة، ليتغنوا من الآن فصاعداً بالعجائبية وبالرواية البوليسية منذ (مئة عام من العزلة) لماركيز و(اسم الوردة) لأمبيرتو إيكو.
الروائي والكاتب السوري هيثم حسين يرى أن (الرواية العربيّة عموماً، والسوريّة ضمناً، تفتقر للرواية البوليسيّة، التي يبدو أنّها لم تلفت انتباه الروائيّين العرب الذين بدوا مشغولين بأمور ومواضيع وأساليب تقدّمت عليها في سلّم الأولويّات)، ويضيف حسين في حديث للمجلة العربية: (إن ذلك لا يعني عدم ورود فصول بوليسيّة في عدد من الروايات التي لم تولِ جلّ عنايتها وهمّها لهذا الجانب الذي يحقّق تسويقاً وتشويقاً لدى شرائح من القرّاء، مثل بعض روايات عبد السلام العجيلي وحنا مينة وفواز حداد وغيرهم).
ويتابع حسين قائلاً: (ربّما كان الرواج الشعبيّ الكبير لروايات أجاثا كريستي، خلّف انطباعاً عامّاً بإقبال نوعيّات بعينها من القراء على مثل تلك الأعمال التي تتميز بطابعها الخفيف المشوق، وتنأى عن الأدب الجاد والرصين، ما ساهم في إبعاد الكثيرين عن خوض غمار هذه التجربة المحفوفة بالكثير من المنزلقات، وربما ظن آخرون أن كتابة الرواية البوليسية هي نوع من الترف وسط وجود قضايا كبرى كثيرة كقضية المرأة والشباب والفساد فضلاً عن القضايا الوطنية الكبرى).
ويقر حسين، رغم ذلك، بأن (الرواية البوليسية تتطلب اشتغالاً خاصّاً ومِراساً وحبكة وحنكة وخبرة ودقّة.. وغيرها من الفنّيّات التي تمتاز بها الرواية العربيّة، التي تبقى مفتقرة لهذه النوعيّة البوليسية) التي يصفها حسين بـ(الملغومة والمرغوبة معاً).
أما الروائي السوري أحمد عمر، فيقول (إن قصة يوسف عليه السلام هي أحسن القصص، حقاً، وبكل المعاني؛ فهي تتضمن كل الأنماط القصصية، بما فيها القصة البوليسية، (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ) (يوسف:26)، وليوسف في المرويات قصص إضافية على تحريه البوليسي عن الجاني ليس هذا محلها.
ويرى عمر في حديث للمجلة العربية أن (قصص العرب في الجاهلية وسير القضاة المسلمين تتضمن عشرات الأخبار (البوليسية) التي يحقق فيها القاضي ويستدل على الجاني بحكمته وفطنته، ويمكن إيراد أمثلة كثيرة لا يتسع المجال هنا لها).
ويضيف عمر: (لا تحضرني رواية سورية بوليسية صرفة)، لكنه يبدي إعجابه بقصص الكاتب والمحامي السوري سهيل أيوب التي كتبها للأطفال تحت عنوان (المغامرون الأربعة)، وهي على غرار (المغامرون الخمسة) للكاتب المصري محمود سالم.
ويوضح عمر بأن (الرواية العربية السورية الحاضرة هي رواية تشتبك مع السياسي حيناً، ومع الاجتماعي أحياناً، ومع الواقع المعيشي اليومي في أحايين أخرى، أو هي تنحو نحو السيرة الذاتية، أما سبب قلة شيوع الرواية البوليسية فهو (اغتيال العقل)، وطالما أن المساعد جميل الشرطي الشهير في سلسلة (حكم العدالة -الإذاعية) يستحصل الاعترافات بالعصا، وهذا يعيدنا إلى السردية الأولى في الرواية العربية المعاصرة).
ويتابع عمر: (هناك مذكرات ضباط، لكن الرواية البوليسية تكاد تكون معدومة، في حدود قراءاتي، والسبب هو أن دمشق مدينة مريّفة. المدينة ليست عمرانا ولا عدد سكان؛ موسكو، العاصمة العملاقة لم تكن مدينة؛ كانت مدينة مؤدلجة، ريف شيوعي، كولوخوز كبير، لذلك لن نقع على رواية بوليسية روسية أيضاً، الرواية الروسية البوليسية الوحيدة التي أتذكرها هي الجريمة والعقاب). ويختم عمر بالقول: (إن سبب غياب الجريمة والمحقق وغموض الجريمة في الرواية العربية هو أن المدينة العربية بلا مستقبل وعلى كف عفريت، وعندما تحضر العفاريت تغيب الملائكة ويغيب المحققون).
رغم كل ما سبق، فإن الملاحظ أن القارئ العربي، كأي قارئ، شغوف بالرواية البوليسية، وتتصف العلاقة بينهما بنوع من الهوس والإدمان، وإذ يتعذر عليه أن يجد مبتغاه في المكتبة العربية، فإنه يتجه نحو الآداب الأجنبية، وهو هنا يعثر على خيارات كثيرة، ولعل من المفارقات المؤسفة أن نجد الرواية البوليسية الأكثر شهرة عن الشرق مكتوبة بأقلام غربية، كتلك الروايات التي كتبتها آغاثا كريستي، مثلاً، التي رافقت زوجها (عالم الآثار ماكس مالوفين) في رحلاته إلى سوريا والعراق ومصر وخرجت بروايات بوليسية من طراز رفيع.
وفي الوقت الذي تغلبت فيه الرواية البوليسية في الغرب على تلك الأوصاف (الرديئة) التي التصقت بها، وحصلت على شرعيتها لتطبع بالملايين وتترجم إلى مختلف لغات العالم؛ إلا أن الروائي العربي، الذي استورد كل النظريات والتقنيات الكتابية الغربية؛ ظل محصناً ضد الأدب البوليسي الذي يتطلب (حبكة روائية متينة تحترم قارئها الذكي والمتمرس، وتلتهم بذكاء كل صبره حتى حدود إجباره على خداع نفسه وتقليب الصفحات مستبقاً الأحداث ليعرف من هو القاتل) -كما يقول شامي، مضيفاً أن الرواية البوليسية جريئة لأنها لا تبتعد عن الإنسان، وهي تنظر إلى الشر ليس عن بعد بل بمجهر، وهي تهز المجتمع بصياغة أصعب الأسئلة عن (العائلة، السياسة، الاقتصاد، البيئة والعنصرية) بشكل مثير ودون خطابة.