تحتل الروايات البوليسية في الغرب دوماً قائمة الأكثر مبيعاً، ويتحول معظمها لأعمال سينمائية تحقق بدورها أعلى الإيرادات، كونها تحمل عنصر الإثارة، فضلاً عن لغتها السهلة وتحديها لفطنة القارئ عبر منحنياتها التي تستفز ذكاءه وتستدعي قدراته التخيلية.
ومن الصعب أن تجد كاتباً عربياً لم يقرأ رواية لأجاثا كريستي، أو شاهد فيلماً لهيتشكوك، وحين ظهرت رواية (العطر) لباتريك زوسكيند -وهي قصة حياة قاتل بحسب التسمية الجانبية التي صاحبت عنوانها- فإنها حققت شهرة كبيرة بين قراء العربية في زمن قياسي، وتحولت بعدها إلى عمل سينمائى بهر الملايين من عشاق الفن السابع.
ورغم الخلافات البينة بين كتاب الرواية الحديثة من المصريين، فقد جربوا أن يكتبوا رواية بوليسية مرة واحدة على الأقل، هكذا فعل نجيب محفوظ ويوسف إدريس وإحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي وأمين يوسف غراب وغيرهم.
وقد اعتمد نجيب محفوظ في روايته الشهيرة (اللص والكلاب) على قصة قاتل حقيقية، جرت أحداثها في مدينة الإسكندرية في أربعينات القرن الماضي، وتابعتها الصحف يوماً بعد يوم، ورغم الظلال الفلسفية لروايته (الطريق) فإن جريمة القتل كانت محركاً أساسياً لأحداثها.
ومن بين المعاصرين، يمكن اعتبار رواية (شرف) للأديب الستيني صنع الله إبراهيم، واحدة من الروايات التي استندت أساساً إلى جريمة قتل، كان التحقيق فيها مبرراً للكشف عن كثير من سوءات المجتمع وتناقضاته، فضلاً عن تفنيد مقولات كبرى من نوع العلاقة مع الآخر الغربي، كون القتيل كان أجنبياً.
رواية الجريمة
هذا النوع من الأدب لايمكن اعتباره أدباً بوليسياً وفقاً للتصنيف الصارم للمصطلح، إنما هو أعمال روائية تحتل فيها الجريمة صدارة المشهد، وربما هذا هو ما يميز المشهد الروائي المعني بأدب الجريمة عن مثيله في الغرب، وربما نجد في رواية الأديب الشاب أحمد مراد (تراب الماس)، الذي اختار لها عنواناً تمهيدياً شارحاً هو (حين يصبح القتل أثراً جانبياً)، تفسيراً للمسألة، خصوصاً وأن هذه هي المرة الثانية بعد روايته (فيرتيجو) التي يتخذ فيها مراد من الجريمة خلفية تكشف بأسلوب مشوق عن خبايا المجتمع والفساد المستشري وسط طبقاته. وحسب أحمد مراد نفسه فإن توظيف الجريمة في الأدب أشبه بتغليف الفكرة الاجتماعية بالإثارة، يقول مراد إن تجربة روايته الأولى (فيرتيجو) أثبتت أن هذا النوع من الأدب قادر على تحقيق أفضل المبيعات، ويضيف: أعتقد أن الجمهور بدأ يلتفت إلى هذا النوع من الكتابة، ولم تعد الفكرة السائدة أنه أدب تجاري يفتقد للعمق والهدف منه فقط تحويله لأفلام ومسلسلات مسلية.
في الرواية الأخيرة للأديب إبراهيم عبدالمجيد (في كل أسبوع يوم جمعة)، تصادفنا بطلته (روضة رياض)، التي تستدرج على مدار الرواية مشتركين في جروب للدردشة على الإنترنت لتقوم بتدبير عمليات قتل منظمة لهم بالاشتراك مع زوجها. هذا الطابع الجرائمي -حسب عبدالمجيد- تسرب إلى عدد من أعماله ومنها أيضاً (شهد القلعة)، ويرجح عبدالمجيد أن يكون سبب ذلك قراءاته الكثيرة في الفلسفة وتأثره بعدد من روايات هذا اللون في الأدب العالمي التي ذكر منها (الجريمة والعقاب) لدوستويفسكي، و(تاجر البندقية) لوليام شكسبير. واعتبر عبدالمجيد أن الأدب الذي يتعامل مع الجريمة يمكن تقسيمه إلى نوعين: الأول الذي يعتمد على الحبكة البوليسية والألغاز، وهو الذي يتميز به كُتّاب العالم الغربي بشكل لا يوجد في العالم العربي، كالذي تنتجه أجاثا كريستي على سبيل المثال، أما النوع الثاني فهو الذي يتعامل مع الجريمة كفعل وحالة إنسانية كثيراً ما تعبر عن الإحباط أو الاضطراب وعدم القدرة على التواصل مع المجتمع، «ومع ذلك وبشكل عام فإن المقارنة بيننا وبين الرواية الغربية في هذا المجال لا تزال في صالحهم بسبب الديمقراطية والاعتراف بالتنوع البشري، أما نحن فرغم تعدد الكتاب فمازلنا نتعامل مع جمهور الأدب بوصفه جمهوراً واحداً له ذائقة محددة، ولا نعتد بالرواية البوليسية أو رواية الجريمة كما نعتد بالرواية الفلسفية، ونتعامل معها بقدر من الاستهانة».
ليست رواية سوقية
برأي الأديب الشاب طارق إمام الذي قدم تجربة أدبية صُنفت ضمن أدب الجريمة وهي رواية (هدوء القتلة)، فإن الرواية المصرية والعربية ظلت تنظر لتيمة (الجريمة) بتوجس، باعتبارها تيمه (شعبية) تناسب روايات (سوقية)، واعتبر أن هذا غير صحيح مستشهداً برواية (أسطاسية) للروائي الكبير خيري شلبي التي اعتبرها من روائعه، وهي تتمحور حول جريمة قتل بشكل شديد العمق والفنية والجمال الأدبي، مضيفاً: المشكلة ليست في الشكل، لكن في كيفية تقديم هذا الشكل بمنطق فني حقيقي، فهناك نوعان من أدب الجريمة، نوع ينتمي لـ(بوب آرت) وهو الكتابة الخفيفة المسلية والمثيرة لكن التي تفتقد للجوانب الأدبية الحقيقية، مثل روايات دان براون نفسه التي تلقى رواجاً هائلاً الآن، ونوع آخر يستخدم هذه التيمة لقراءة الواقع بشكل أعمق وطرح أسئلة وجودية ثقيلة، مثل رواية (اللص والكلاب) لنجيب محفوظ.
يقول طارق إمام: علينا أن نعترف أن السياق الروائي العربي إجمالاً يفتقر لروايات تتخذ من المنحى البوليسي، أو عالم الجريمة طابعاً لها، مع احتفاظها بعنصر الجودة الفنية، رغم أن هذا تحقق في أعمال روائية خالدة غربية بدءاً من (الجريمة والعقاب) لدستويفسكي مروراً بروايات علامات مثل (الغريب) لألبير كامي و(العطر) لباتريك زوسكيند و(اسم الوردة) لأمبرتو إيكو و(اسمي أحمر) لأورهان باموك و(سرد أحداث موت معلن) لماركيز وغيرها.
الكاتبة سهير المصادفة، التي استعانت بتيمة الجريمة في روايتها (ميس إيجيبت)، تحدثت أيضاً عن (الاستهانة) التي يتم التعامل بها مع أدب الجريمة في مصر والعالم العربي، رغم أنه أدب صعب وربما يكون غير قابل للكتابة لدينا، على حد تعبيرها، لما يحتاجه هذا النوع من الأدب إلى شفافية ومعلوماتية وقدرات خارقة في الكتابة، وهو الأمر الذي لا يتيحه مناخ التعتيم على الجريمة وعدم إتاحة المعلومات عن تفاصيل الجريمة في مصر.
ويعلق الروائي سيد الوكيل على عدم ازدهار تيمة الجريمة في الرواية العربية مقارنة بالغربية بقوله: ربما لأننا نعيش في مجتمع بوليسي نتنفسه يومياً، أما المجتمع الأوروبي فيتعامل مع هذا الأدب بوصفه لوناً طريفاً، واعتبر الوكيل أن أوروبا استطاعت أن تحدث نهضة حقيقية في مجال رواية الجريمة والرواية البوليسية القرن الماضي وذلك في إطار محاولتها إيجاد مخرج لمأزق الرواية الذي واجهته الرواية الأوروبية، التي واصلت تطوير هذا اللون الأدبي حتى أصبحت الرواية البوليسية رواية بحثية.
المغامرون الخمسة ورجل المستحيل
الدكتور نبيل فاروق واحد من أشهر كتّاب القصة البوليسية في الوطن العربي، ورغم تخرجه في كلية الطب، فقد ألقى ببكالوريوس الطب والجراحة وتفرغ تماماً للرواية البوليسية، ولم تخذله، فحقق عبر سلسلة (رجل المستحيل) شهرة كبيرة تتجاوز بما لا يقاس ما كان يمكن له أن يحققه كطبيب، وصار بطله (أدهم صبري) أشهر شخصية روائية في سلسلة صدر منها مئات الأعداد وحققت مبيعات بمئات الآلاف من النسخ في أنحاء الوطن العربي.
نبيل فاروق أبدع أيضاً في مجال الخيال العلمي، واستفاد من دراسته للطب في تدعيم موهبته في هذا الاتجاه، يقول: أستفيد بخطوط المنهج العلمي وتنظيمه، وعند كتابتي للقصص أتعامل بنفس المنهجية في التفكير. أما شخصية رجل المستحيل فقد عشت معها أكثر من ربع قرن، وما شجعني على الاستمرار فيها هو مالقيته من تشجيع القراء في الوطن العربي كله. للأسف النقاد تعاملوا -ومازالوا- مع الأدب البوليسي وأدب الجاسوسية باستخفاف، لكن القراء أقبلوا عليه وأسقطوا مقولات كثيرين ممن أسميهم ديناصورات المشهد الأدبي الذين يسيطرون على المشهد إبداعاً ونقداً ويفرضون ذوقهم على الناس، وفي كثير من الأحيان يكون تقييمهم خاضعاً للشلة والمجاملة. وما لا يعلمه الناس هو أنني استوحيت شخصية رجل المستحيل من شخصية حقيقية لرجل أمن متميز، وتطورت ليس فقط بأفكاري وإنما بما لمسته من تفاعل القراء معها على امتداد هذا العمر الطويل من الكتابة وردود الأفعال حولها.
نشير أخيراً إلى أن نبيل فاروق حصل على عدد من الجوائز في مصر والوطن العربي، ربما كان أهمها بالنسبة له حصوله على جائزة الدولة التشجيعية في الأدب، والتي مثلت اعترافاً رسمياً بما قدمه في مشواره الأدبي في مجال الرواية البوليسية.
قبل نبيل فاروق، ألهم محمود سالم خيال القراء الصغار بألغازه التي كان أبطالها المغامرون الخمسة، (تختخ ولوزة ونوسة وعاطف ومحب)، وعبر هذه الألغاز غرس قيماً يحتاجها الأطفال في هذه السن، وحبب بهذه المغامرات الصغيرة القراءة إلى نفوس الأطفال، بعده كتب عن الشياطين الـ13 ليعطي بعداً عربياً للمغامرات التي كان أبطالها يمثلون جامعة عربية مصغرة.
اعتنى سالم في كتاباته بالقارئ الطفل أو المراهق دون أي استخدام للعنف الجسدي.. أعطى مساحة من التحليل في الأحداث للتفكير في حلول بشكل منظم، حتى تنكشف خيوط حل اللغز. تلك الأشياء التي تفتح أبواب الخيال للعقول الصغيرة القابلة للتشكيل. واعتمد سالم في كتاباته على أبطال عاديين وليسوا سوبرمان أو طرزان فهو لا يريد أن يملأ ذهن الطفل بالأوهام والخيالات اللامنطقية.
يقول سالم الذي جاوز السبعين وأنهى حياته المهنية رئيساً لتحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون: كتبي ليس بها أي عقلية إجرامية ولكنها فكر ذكي، وقد أشارت نتائج المركز القومي للبحوث التي تناولت كتبي إلى 13 إيجابية، منها: طريقة التفكير العلمي، وإبراز قيم الشجاعة والعدل والتعاون.
فصول تحتفى بالرواية البوليسية
نشير أخيراً إلى أن مجلة فصول التي تعنى أساساً بالنقد الأدبي الرصين وتستكتب نقاداً من الوطن العربي كله، خصصت عدداً في شهر يناير الماضي للأدب البوليسي، وهو ما اعتبر اعترافاً بأهمية هذا النوع من الأدب نقدياً بعد أن حظي باعتراف جماهيري واسع تبدّى في الإقبال الكبير من القراء عليه.
وفيه كتب نبيل فاروق افتتاحية بعنوان (حرب قلم)، تحدث فيها عن تجربته في كتابة الرواية البوليسية، وكتب شعيب حليفي: مقاربة في البناء الفني للرواية البوليسية في الأدب العربي.. متوقفاً عند عنصر التشويق في الحكي البوليسي باعتباره محركاً لباقي العناصر الفنية، مستخلصاً أن الرواية العربية حفلت بنصوص في هذا الاتجاه بأشكال مختلفة، ومتوقفاً عند نوعين كبيرين: الأول يمثل نصوصاً تستثمر الحبكة البوليسية دون نية كتابتها؛ والثاني يمثل نصوصاً اعتبرت روايات بوليسية، تقوم على لغة التشويق مع التركيز على عنصر الصراع وتأويلاته، ثم اللغة وقدرتها في تحقيق هذا النوع الروائي الذي مازال غير مستثمر بالشكل التام في السرد العربي.
وفي باب شهادات، قدم أحمد خالد توفيق ورقة بعنوان من فعلها؟، أكد فيها أن أول كاتب مصري حاول كتابة الرواية البوليسية هو محمود سالم من خلال سلسلته (المغامرون الخمسة)، التي كانت موجهة للصبية، لكنها خلفت آثارها في جيل كامل. وضم العدد أربع ترجمات؛ قام بالأولى حسن المودن، وهي ثلاثة فصول من كتاب من قتل روجر أكرويد، يقدم فيها المؤلف بيير بيار رؤية جديدة في نقد الرواية البوليسية وعلاقته بالتحليل النفسي. وقدمت الثانية نادية جمال الدين محمد، وهي قراءة في رواية محاولة جريمة للكاتب المكسيكي أودولفو أوسيجلي. أما الترجمة الثالثة فكانت لهناء عبدالفتاح بعنوان مولد أدب الجريمة الروائي في بولندا للكاتبة البولندية دوروتا متولي. والترجمة الرابعة هي دليلك لكتابة الرواية البوليسية لوود هاوس وقام بها أحمد خالد توفيق. وفي باب النقد التطبيقي، قدم محمد العبد قراءة في رواية مقتل فخر الدين لعز الدين شكري، مركزاً على حضور الإثارة فيها. وكتب بوجمعة الوالي-تحت عنوان التوظيف الدلالي للجريمة- دراسة مقارنة بين موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح والغريب لألبير كامو. واختتم هذا الباب بورقة لمحمد الفارس عن رواية ميس إيجيبت للكاتبة سهير المصادفة.