كنت مستغرقاً في التفكير أحاول الإمساك بفكرة، بموضوع أشارك بالكتابة عنه في الاستطلاع حول (غياب الرواية البوليسية) في الإبداع السردي المحلي. عندها ومض في ذهني عنوان رواية عبده خال (فسوق) التي لا أتردد عن القول إنها رواية بوليسية محلية، رغم أنني لا أذكر أن مؤلفها قد وصفها بذلك، أو أراد أن تقرأ أو تصنف روايةً بوليسية. وهو ما أفعله هنا، ما يعني أنني أطرح رأياً قد يتضح لاحقاً أنه يسير في الاتجاه المعاكس لاتجاه بعض أو كل كتابات المشاركين الآخرين في الاستطلاع، والتي أتوقع أنها ستتقاطع عند تأكيد فكرة غياب الرواية البوليسية وشرح ما يعتقد أنها أسباب الغياب.
(فسوق) رواية بوليسية، لأنه تتوفر فيها المقومات والعناصر الرئيسة للقص البوليسي. وبنية الخطاب السردي فيها هي بنية الخطاب السائد في معظم القص البوليسي، خصوصاً النوع الذي يسمى (whodunit)، من فعلها، أي الجريمة. والجريمة التي يدور حولها التحقيق في (فسوق) هي سرقة جثة جليلة بنت محسن الوهيب.
يبدأ الخطاب السردي في (فسوق) بالجملة: (هربت من قبرها)، ويليها تعليق السارد: (وجد أهل الحي هذه الجملة قريبة من أفواههم لتسعفهم.. ولتؤكد السيرة السيئة التي تحلت بها الميتة الشابة).
يستخدم عبده خال -الضمني- أقاويل المدينة عن الشابة جليلة، وما نشر في الصحف عن هروبها؛ وسيلةً للتشويق وإثارة فضول القارئ بتأجيل سرد عملية التحقيق في اختفائها، ولتوجيه السرد في مسارٍ لا يؤدي إلى كشف حقيقة ماحدث بسرعة نسبياً. إن الخطاب في (فسوق) حافل بالعديد من الاسترجاعات والاستطرادات التي تبطئ حركة السرد في اتجاه كشف لغز اختفاء الجثة.
بعد أن يكشف السارد صدمة المدينة من هروب الجثة والتشويه الذي طال سمعتها، يعود إلى الماضي ليستحضر قصة مقتل سميتها (جليلة)، حبيبة أبيها محسن الوهيب، على يد أخيها (أبو يوسف)، بدلاً من التقدم لسرد الأحداث التي تلت اكتشاف اختفاء جليلة/الجثة المتهمة بالهروب من قبرها لملاقاة حبيبها.
قصة جليلة الأولى، حبيبة الأب، هي قصة جليلة الثانية مقلوبة والعكس صحيح، إذ أن قصة الأولى قصة بوليسية غير مكتملة، أو كادت تكون لولا تدخل العجائبي/الخارق (شجرة السدر النائحة) لكشف القاتل، وهي السدرة التي احتضنت أغصانها جسد/جثة جليلة الأولى قبل أن تسقط وتتعثر بها أقدام الذاهبين الى صلاة الفجر. في هدوء الليل، ينطلق صوت جليلة من بين أغصانها: (ياقاتلي.. ياقاتلي/لشكيك لرب العباد/ يبليك بليل ماله رقاد/نهار ماله قعاد..) لم يستطع أخوها الهرب من الشعور بالذنب، ومن دمها، فأقبل على السدرة ليهوي على جذعها بفأسه المسنونة. يقول الراوي (كان دمها حبلاً طويلاً تعرج في كل الأزقة بحثاً عن قاتلها). وعلى نحو مشابه، وبفضل حبل/سلك الكهرباء يهتدي الضابط المحقق إلى الغرفة الصغيرة في الركن القصي من المقبرة حيث يخبئ داود الناعم/شفيق الميت (حفار القبور) جثة حبيبته جليلة ليمارس معها الـ(necrophilia)-مضاجعة الموتى.
يطلق محسن الوهيب اسم حبيبته على ابنته الوحيدة ليسترجع الأولى ويسترجع السارد قصة جليلة الأولى ليتوقف بعض الوقت عن سرد قصة جليلة الثانية من ناحية، ولكي يكشف، من ناحية أخرى، أن الجليلتين تعرضتا للقتل. انتهت حياة الأولى بالقتل على يد أخيها، وتعرضت الثانية للقتل أيضاً، بيد أنه قتل من نوع مختلف؛ قتل معنوي رمزي عبر تشويه وتلطيخ سمعتها، أو يمكن تسميته (اغتيال شخصية) بعد الموت، هذا فضلاً عن تعرض جثتها للسرقة والاغتصاب.
رواية (فسوق)، كما قلت في البداية، رواية بوليسية لاحتوائها الثالوث المؤسس للخاصية الجمالية والنوعية للرواية البوليسية: الجريمة(سرقة الجثة) والمجرم(شفيق الميت) والمحقق.
أود أن أضيف أن ثمة رواية محلية أخرى، (فيضة الرعد) لعبدالحفيظ الشمري، تستعير من الرواية البوليسية، البنية السائدة لخطابها السردي، وإن لم تكن كذلك. فالسرد في (فيضة الرعد) ينطلق ويتدفق لكشف ما يبدو من وجهة نظر السارد جريمة أو تدميراً تعرضت له الشخصية المركزية (غزالة)، بعبارة أخرى للإجابة عن سؤاليه: (من الذي فعل هذا بحلمنا (غزالة)؟! ومن الذي جاء بها إلى هنا؟!) في هاذين السؤالين، يشير الراوي بإصبع الاتهام المضمر إلى طرف أو أطراف مجهولة الهوية في هذه اللحظة الاستهلالية من الرواية، يحملها مسؤولية انتهاء (غزالة) إلى فراش المرض (وتوقفها عن الركض في متاهة الحياة). يتقدم السرد لا ليكشف ماحدث (لماذا)، إنما لكشف الـ(كيف) والـ(من) وراء ماحدث لـ(غزالة)، كما يحدث بطريقة واضحة في الرواية البوليسية، أو في (فسوق) على نحو خاص.